فيديو: إذلال غير مسبوق لوزير الحرب الأمريكي داخل الكونغرس!

أنصح القارئ قبل متابعة هذا المقال بمشاهدة الفيديو المرفق، فالمشهد الذي وثقه ليس حدثا عابرا يمكن المرور عليه بسطحية، بل لحظة كاشفة تختصر معنى الدولة الحديثة حين تضع أقوى رجال السلطة تحت مجهر المساءلة العلنية. وأنا أشاهد اليوم وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث يتعرض لاستجواب قاس ومهين من طرف أحد نواب الكونغرس، شعرت بمزيج من الدهشة والإعجاب والارتياح. دهشة لأن رجلا بهذا النفوذ يمكن أن يهز بهذه السهولة، وإعجاب بنظام سياسي يسمح بتعرية السلطة مهما بلغت قوتها، وارتياح لأن الشخص الواقف أمام النائب ليس مجرد موظف رسمي عادي، بل أحد أكثر رجال الإدارة الأمريكية إثارة للجدل، وصاحب خطاب متشدد طالما كان مصدرا للتوتر والعدائية في الداخل والخارج.

بيت هيغسيث ليس مجرد وزير دفاع، بل شخصية حملت معها إلى المؤسسة العسكرية رؤية أيديولوجية صدامية تنظر إلى العالم من زاوية معسكرات حضارية متناحرة. كتبه الثلاثة التي أثارت نقاشا واسعا داخل الولايات المتحدة تعكس عمق مشروعه الفكري؛ ففي «الحملة الصليبية الأميركية» يقدم تصورا يختلط فيه البعد الديني بالرؤية السياسية، ويطرح الإسلام باعتباره تحديا وجوديا لهوية الغرب لا مجرد دين يمارس مع بقية الأديان. وفي «المعركة من أجل العقل الأميركي» يشن هجوما لاذعا على النظام التعليمي والإعلامي، معتبرا أنهما خاضعان لما يسميه “الأيديولوجيا التقدمية” التي تسعى – بحسب رأيه – إلى تفكيك المبادئ التي قامت عليها الولايات المتحدة. أما في كتابه «الحرب على المحاربين» فإنه يذهب إلى أقصى درجات التصعيد، متهما اليسار بأنه عدو داخلي يجب مواجهته قبل مواجهة خصوم البلاد الخارجيين. هذه اللغة لم تكن مجرد تعبير عن رأي سياسي، بل أصبحت انعكاسا لنزعة إقصائية تتعارض جوهريا مع قيم التنوع والمواطنة المتساوية.

وحين نشاهد هذا الرجل، الذي لا يخفي إعجابه بالرموز الدينية المتشددة، والذي بدا في أكثر من مناسبة وكأنه يعيش بمنطق الحروب القديمة، يقف عاجزا ومرتبكا أمام أسئلة نائب واحد… فإن ذلك ليس مجرد تناقض، بل لحظة يسقط فيها الواقع كل الادعاءات النظرية. بدا هيغسيث متوترا، متقطع الإجابات، فاقدا للتماسك، وكأن خطوط القوة التي كان يتكئ عليها قد تلاشت فجأة بمجرد أن واجهه القانون في صورته الخام: ممثل للشعب يطرح سؤالا مباشرا لا يحتمل المراوغة.

في تلك اللحظة فهمت من جديد المعادلة الحقيقية للديمقراطية. ليست الديمقراطية خطبا ولا دعاية، وليست ترفا سياسيا يعرض للعالم على شاشات التلفزيون. هي ببساطة قدرة النظام على أن يوقف أقوى مسؤول عند حده، وأن يجعل من كل منصب، مهما كان ثقيلا ونافذا، موقعا قابلا للمساءلة العلنية والمحاسبة الصارمة. لقد شاهدت وزير الحرب، بكل ما يحمله المنصب من رمزية ومهابة، يقف أمام نائب لا يملك سوى سلطة القانون، فإذا بهذه السلطة وحدها تكفي لتجريده من مظاهر القوة التي أحاطت به منذ دخوله البنتاغون.

الأمر لم يكن مجرد استجواب. كان تصحيحا لمعادلة يتخيل القوي فيها أنه محصن ضد النقد، وتنبيها بأن هناك حدودا لا يمكن لأي مسؤول، مهما علا شأنه، أن يتجاوزها. كان مشهدا يعيد الاعتبار لفكرة أن الدولة أكبر من الأفراد، وأن القانون أسمى من المناصب، وأن قوة النظام ليست في قدرة المسؤول على إصدار الأوامر، بل في قدرة المؤسسات على مساءلته حين يسيء استخدام نفوذه أو يختبئ خلف شعارات لا تعكس حقيقة أفعاله.

وما جعل هذا المشهد أكثر رمزية هو الخلفية الفكرية للشخص المستجوب. رجل بني جزء من شهرته على التلويح بنظريات الصراع الحضاري، وعلى خطابات موجهة ضد المسلمين والسود والأقليات، وعلى تصورات تستند إلى تمييز صريح أو ضمني. رجل يرى التنوع تهديدا، ويعتبر الاختلاف ضعفا، وينظر إلى العالم من خلال منظار حاد يقسم البشر إلى “نحن” و“هم”. أن يهان مثل هذا الرجل بهذه الطريقة لم يكن مجرد لحظة سياسية؛ كان لحظة أخلاقية بامتياز، لحظة استعاد فيها القانون كرامته، واستعادت فيها الديمقراطية بريقها، واستعاد فيها الناس إيمانهم بأن الغطرسة مهما علت، فإنها تسقط بمجرد أن يواجه صاحبها سؤالا صادرا عن ضمير الأمة.

ولعل الرابط الذي جمعه بالرئيس ترامب يفسر الكثير من ملامح المشهد. فهما معا ينتميان إلى تيار واحد، خطاب واحد، ورؤية واحدة. كلاهما يرى في الصدام وسيلة، وفي الاستقطاب منهجا، وفي الخطابة الصلبة بديلا عن الحوار المؤسساتي. لذلك لم يكن مستغربا أن ينطبق عليهما المثل الشعبي: “الطيور على أشكالها تقع”. فكل منهما يعكس الآخر، وكل منهما يجد في الثاني صورة مكملة لأفكاره.

وعندما انتهى الفيديو، بقيت فكرة واحدة تتردد في ذهني: إن الديمقراطية الحقيقية ليست تلك التي يصفق لها في المناسبات، ولا تلك التي تستخدم لتزيين الخطابات الرسمية، بل تلك التي تمارس حين يسأل الأقوياء، ويحاسب المتنفذون، ويجرد أصحاب السلطة من هالتهم حين يخطئون. وما جرى مع الوزير هيغسيث كان مثالا نادرا على هذه الحقيقة. لقد كان درسا بليغا، لا في السياسة فقط، بل في الأخلاق، وفي حدود القوة، وفي معنى أن تكون دولة مؤسسات لا دولة أشخاص.

بقلم : محمد سالم المختار الشيخ

نواكشوط/موريتانيا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى