المواطنة… حين يصبح الوطن هو الرابط الأول
في زمنٍ تتسارع فيه التحولات، وتتنازع فيه الأصوات، يبقى الوطن هو الحقيقة الثابتة التي لا تتبدّل. وطنٌ يجمعنا قبل أن تفرّقنا الانتماءات، ويحمينا قبل أن تجرّنا المصالح، ويعطي لنا معنى الوجود قبل أن نبحث عن أماكن أخرى ننتسب إليها. إن الشعب — كل الشعب — هو أساس هذا الوطن، وهو قلبه النابض، وهو الذي يصنع مجده ويحدد مستقبله.
لقد آن الأوان أن ندرك أننا أبناء وطنٍ واحد، وأن قوتنا لا تكمن في قبيلة أو جماعة أو شخص، بل في وحدتنا كمواطنين تجمعنا الأرض ذاتها، والمصير الواحد، والحلم المشترك. فالوطن لا يقوم على أشكال الناس ولا أسمائهم، ولا على انتماءاتهم الضيقة، بل على عملهم الصادق، وعلى نواياهم تجاه مصلحة الكلّ لا مصلحة الفرد.
إن الانتماء الحقيقي لا يُشترى ولا يُفرض، بل يُبنى في الضمير… حين يشعر كل فرد أن له مكانًا في وطنه، وأن كرامته مصونة، وأن مستقبله لا يُرهن لغيره. وحين يفهم أن واجبه أن يعطي قبل أن يطالب، وأن يبني قبل أن ينتقد، وأن الوطن مسؤولية جماعية لا يتحملها فرد واحد مهما كان، بل يتحملها كل “أنا” تتحول إلى “نحن”.
نحن بحاجة اليوم إلى ساسةٍ ينتمون للوطن لا لمصالحهم، يعملون باسم الشعب لا باسم حساباتهم، يدفعهم الضمير قبل الطموح، ويحملون الوطن في قلوبهم قبل أن يحملوا المناصب في أيديهم. نريد قيادات ترى الشعب كله دون استثناء، وتعتبر العدالة حقًا للجميع، والكرامة عنوانًا للحياة، والمواطنة أساسًا للعلاقة بين الدولة وأبنائها.
وطننا لنا جميعًا: لي ولك وله ولها ولهم… لنا نحن أبناءه الذين نحلم بمستقبل أفضل، ونطمح إلى غدٍ يعيش فيه المواطن كريمًا، محترمًا، لا يختلف عن غيره إلا بما قدّمه من عملٍ نافع للوطن.
إن اللحظة التي ندرك فيها أن لا أحد أكبر من الوطن، ولا أحد أهم من الشعب، هي اللحظة التي يبدأ فيها بناء الدولة الحقيقية… دولة لا يضيع فيها حق، ولا يختفي فيها صوت، ولا يشعر فيها مواطن أنه أقل من غيره.
الوطن ليس شعارًا نرفعه، ولا خطابًا نلقيه… الوطن روح نعيش بها، وشعور يتجذر في القلب، وعمل يومي نصنع به المستقبل.
فلنكن كما يجب أن نكون: شعبًا واحدًا، قلبًا واحدًا، وهدفًا واحدًا… ولنجعل من انتمائنا للوطن قيمة لا تهزّها المصالح، ولا تشوّهها الانقسامات، لأن الوطن حين نسمو به… يسمو بنا جميعًا.
خالد محمد




