تخلصنا من السرسري، فوقَعنا في يد السربوت
كان يا ما كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، إبان حكم الدولة العثمانية في عصور مجدها وبسط هيمنتها وباس سلطانها واتساع نفوذها، حيث كانت الأسواق تضجُّ بالمقاييس المتلونّة، فالتجار يلوّنون الوزن كما يلوّن الطفل دفتره، مرّة يزيدون، ومرّة ينقصون، والمسكين هو الزبون الذي لا يدري أهو اشترى رطلاً أم دعوةً للصبر! فلما بلغ السلطان ما كان، أمر بتعيين رجلٍ خفيف الخطوة، يراقب الأسواق من طرفٍ خفي، وأسموه السرسري—لا لِسوءٍ فيه، بل لخفّته كنسمة، يدخل السوق فلا يُدرى أهو مشترٍ أم شاهدٌ على الغفلة. لكن التجار، بدهائهم الذي لا ينام، شمّوا رائحة السرسري قبل أن يشمّ رائحة الغش، فرشّوا جيوبه بحلو الكلام… وما ليس بكلام، فعادت الأمور كما كانت، ميزانٌ يميل، ومسكينٌ ينخدع، وتاجرٌ لا يشبع. ثم جاء رسول السلطان يتفقد الرعية، فاكتشف أن السرسرية قد “مالوا مع الهوى”، فأمر السلطان بتعيين مراقب للمراقب السرسري، وسموه السربوت مراقب السرسري، عينٌ على عين، وظلٌّ يتتبع ظلًّا. لكن التجار كانوا في كل زاوية، يملكون أذاناً أطول من الليل، فأغووا السربوت كما أغووا السرسري بالفلوس قبله، فأصبح الاثنان شريكين في الغنيمة، متنافسين فقط في سرعة الهروب حين تصل نذر السلطان! وهكذا تحوّل الاسمان عبر الزمن من ألقابٍ وظيفيةٍ نبيلة، إلى مسبّاتٍ يهرب منها الناس كما يهرب الطفل من مسائل الحساب والهندسة والجبر والرياضيات في عقود الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. واليوم… في زمن “التحول”، وفي ظل “رؤية ” تحاول أن تجعل الفساد يتوب ويستغفر. واليوم ننظر خلفنا فإذا بتلك القصص القديمة لا تزال تُطلّ علينا بوجهٍ جديد وابتسامةٍ عريضة، فمؤسسات الرقابة كثرت، والأسماء تحسّنت وتجمّلت، من “النزاهة” إلى “الحوكمة” إلى “الشفافية”، لكن الناس—يا حسرة—لا يزالون يقولون: المهم والعبرة ليست في الاسم… بل العبرة والمهم في من يشتغل على ذلك المسمّى! وصرنا نسمع مصطلحات حديثة تشبه أخواتٍ صغارًا لتلك الكلمات القديمة: من “هوامير” إلى “مطفّفين” إلى “مكسروا السوم”، ومعها عبارات شعبية يتداولها الشباب كأنها قصائد دارجة في مجالس الأُنس والسمر. فيا ترى… هل نحن ابتعدنا وإن شئت فقل هل تخلصنا من مفردات السرسري والسربوت الرقابية حقًّا؟ أم إننا فقط استبدلناها بأسماء أكثر لمعانًا، تبكي إذا سمعتها اللغة… وتضحك إذا فهمتها الحياة؟وتأسيسًا على ما تقدّم، نجد أنفسنا بين زمن السلطان وزمن العولمة الرقمية، حيث تتبدّل الوجوه وتتنوع الأدوات، ويبقى السؤال معلّقًا: هل تغيّر جوهر الفساد فعلًا، أم إنّ ما تبدّل لا يتجاوز مظهره فقط؟ ومع ذلك، يظلّ الرجاء معقودًا على حكمة أميرنا الشاب وعرّاب رؤيتنا 2030، الأمير محمد بن سلمان، سائلين الله أن يوفّقه لاجتثاث جذور الفساد وصناعة زمنٍ تُصان فيه العدالة وتُصان به كرامة المجتمع
بقلم : مرزوق بن علي الزهراني




