من كلمة عفوية إلى درس في المواطنة .. قراءة للدكتور التقي ولد شيخنا محمد تقي الله

في زمن تتسارع فيه التحولات السياسية والاجتماعية، وتتعاظم فيه الحاجة إلى ترسيخ دولة القانون بمفهومها العميق لا الشكلي، يبرز صوت العقلانية والاتزان بوصفه البوصلة الحقيقية لقياس نضج المجتمعات. وفي هذا السياق يأتي هذا المقال القيم، الذي خطه الدكتور التقي ولد شيخنا محمد تقي الله، الخبير المحاسبي المعروف وعضو الهيئة الوطنية للخبراء المحاسبين، ليقدم قراءة قانونية واجتماعية وسياسية ناضجة لمشهد بسيط في ظاهره، عميق في دلالاته، وقع خلال الزيارة الرئاسية لولاية الحوض الشرقي.

لقد تمكن الدكتور التقي، بخبرته الأكاديمية وحنكته المدنية، من تحويل جملة عفوية صدرت من أحد المواطنين إلى مدخل تحليلي بديع يعكس جوهر “المواطنة الواعية”، ويعيد التأكيد على القيم التي تقوم عليها الدولة الحديثة: احترام المؤسسات، وتثمين القانون، وإدراك معنى السلطة العامة في بعدها المصلحي والوطني.

ويمضي هذا النص، الذي بين أيدينا، في تحليل هادئ ورصين لفعل رمزي قد يبدو عند البعض هامشيا، لكنه في ميزان الفكر القانوني يعد مؤشرا بالغ الدلالة على تقدم في الوعي المدني. ومن خلال قراءة الكاتب المتمرس، نلمس ربطا محكما بين الدلالة والممارسة، وبين السلطة والشرعية، وبين المواطن والدولة، في طرح لا يكتفي بالشرح بل يدعو إلى ترسيخ ثقافة قانونية مسؤولة نحن في أمس الحاجة إليها.

وهذا نص المقال:

احترام دولة القانون: تحليل لموقف مواطن خلال الزيارة الرئاسية للحوض

خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني إلى ولاية الحوض الشرقي، لفت أحد المواطنين الأنظار عندما صرح علنا: “أحيي رئيس الجمهورية وأحيي بوليس”.

ورغم بساطة العبارة في ظاهرها، فقد أثارت العديد من ردود الفعل، بعضها اتخذ طابع السخرية، خصوصا بسبب ذكر الشرطة. غير أن هذه التحية، بعيدا عن كونها عفوية فحسب، تعبر عن رؤية ناضجة وواعية لمعنى احترام دولة القانون.

1. تحية الشرطة: اعتراف بالسلطة العامة

الشرطة ليست مؤسسة معزولة؛ فهي أحد الأعمدة البارزة للسلطة العامة. ففي كل مجتمع منظم، تمثل الشرطة:

ضمان النظام العام،

حماية المواطنين،

تنفيذ القوانين،

الحضور الدائم للدولة على الأرض.

وعليه، فإن تحية الشرطة تعني تحية أحد المكونات الجوهرية للدولة. وهي ليست إشادة بأفراد محددين، بل بمؤسسة تجسد وظيفة جمهورية أساسية. ويعكس هذا السلوك فهما مدنيا ناضجا يرى أن الدولة لا تتجسد في قيادتها السياسية فقط، بل أيضا في قواتها الأمنية المكلفة بتطبيق القوانين التي اختارتها الأمة لنفسها.

2. دلالة قوية على التمسك برموز دولة القانون

في دولة القانون، يشكل احترام المؤسسات ركيزة أساسية. وتمثل الشرطة أحد أبرز رموز هذا النظام القانوني، فهي التعبير الملموس عن حضور القانون في الفضاء العام.

ومن هنا، فإن تحية الشرطة تعني:

التأكيد على التشبث بالمؤسسات الجمهورية،

الاعتراف بشرعية السلطة العامة،

تثمين دور من يسهرون على الأمن الجماعي.

وليست هذه التحية تصرفا ساذجا، بل فعلا يحمل دلالة ديمقراطية واضحة. وهو يذكر بأن دولة القانون لا تقوم على النصوص وحدها، بل أيضا على احترام المواطنين لرموزها.

3. تعبير مدني عن احترام شامل للدولة

الجمع بين تحية رئيس الجمهورية وتحية الشرطة ليس أمرا اعتباطيا. فهو يعكس رؤية تعتبر أن:

رئيس الدولة يجسد السلطة السياسية،

والشرطة تجسد السلطة التنفيذية للقانون،

وبهما معا تتحقق استمرارية الدولة واستقرارها.

إن تحية الطرفين هو تعبير عن احترام شامل ومتكامل لمؤسسات الدولة، وتذكير بأن الدولة ليست شخصية سياسية فقط، بل منظومة مؤسسات تعمل في انسجام.

4. نضج مدني ينبغي تشجيعه

في العديد من الديمقراطيات تعتبر تحية قوات الأمن أو شكرها في المناسبات الرسمية أمرا طبيعيا باعتباره دلالة احترام للمرفق العام.

وفي موريتانيا، حيث تتعزز دولة القانون تدريجيا، تساهم مثل هذه المبادرات في:

تعزيز صورة المؤسسات،

ترسيخ مناخ الثقة،

نشر ثقافة احترام القواعد والشرعية.

5. فعل يندرج ضمن ديناميكية المواطنة الإيجابية

في النهاية، ينبغي فهم التحية الموجهة إلى الشرطة باعتبارها فعلا من أفعال المواطنة الإيجابية، ينطلق من رغبة في:

الاعتراف بالفاعلين العموميين،

التمسك برموز الدولة،

تأكيد الانتماء إلى مجتمع منظم على أساس القانون.

الدكتور التقي ولد شيخنا محمد تقي الله

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى