سُمرة اللون… نعمة الخِلقة وعنوان الكرامة الإنسانية

لم يكن لون البشرة في يومٍ من الأيام عبئًا على الإنسان، إلا حين ابتعد عن الفهم الصحيح لمعنى الخِلقة، وغابت عنه حكمة التنوع التي أرادها الله لعباده. فاختلاف الألوان ليس نقصًا ولا امتيازًا، وإنما هو آية دالة على القدرة الإلهية، غير أن السُمرة على وجه الخصوص تحمل في معناها دلالة الأصل والبداية، وتستدعي اعتزازًا هادئًا نابعًا من الوعي، لا من ردّ الفعل. فهي لون الأرض الأولى، ومنها خُلق الإنسان، وعليها بدأت مسيرته في هذا الوجود.
وحين نعود إلى أبينا آدم عليه السلام، نجد أن اسمه اقترن بالأُدْمة، أديم الأرض، وأن كثيرًا من أقوال أهل العلم تشير إلى سُمرة لونه، وكأن الخِلقة الأولى أرادت أن تُعلن منذ اللحظة الأولى أن هذا اللون ليس هامشيًا ولا طارئًا، بل هو الجذر الذي انحدرت منه البشرية كلها. ثم يأتي نوح عليه السلام، شيخ المرسلين وأول رسول إلى أهل الأرض، رجلًا حمل رسالة التوحيد في زمنٍ قاسٍ، وقد وصفته الآثار بأنه كان إلى الأُدْمة، ليجتمع في شخصه ثقل الرسالة ووقار السُمرة. وبعده يأتي إبراهيم عليه السلام، أبو الأنبياء، ليجسّد هذا المعنى في أسمى صوره؛ رجلٌ ابتُلي فصبر، واصطفاه الله فجعل في ذريته النبوة، ولم يكن لون بشرته يومًا موضع نظر أو معيار فضل، لأن المعيار كان دومًا الإيمان واليقين والعمل الصالح.
ويمتد هذا المعنى في سير الأنبياء والمرسلين، فنرى هودًا عليه السلام من ذوي البشرة السمراء، ثابتًا في دعوته، صابرًا على قومه، ثم نرى موسى عليه السلام موصوفًا بالأُدْمة، قوي البنية، طويل القامة، ونرى عيسى بن مريم عليه السلام كما رآه النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا آدم اللون، من أحسن الرجال خَلقًا وخُلقًا. وتتجلى الحكمة في شخص لقمان، وهو أسود البشرة، ليؤكد أن الصفاء الداخلي والعقل الراجح هما موضع الرفعة، لا لون الجلد ولا ملامح الوجه.
ومع هذا الامتداد الواضح، تعرّض لون السُمرة في بعض الأزمنة لنظرات قاصرة، لا تعكس حقيقة الدين ولا جوهر الإنسانية، بل تعبّر عن خلل في الوعي وانقلاب في القيم. فالذي يزدري هذا اللون إنما يجهل معناه، ويتجاهل أنه لون الصبر والقوة، لون الشمس التي تهب الحياة، ولون الوقار الذي لا يحتاج إلى ادّعاء. ويرى كثيرون أن البشرة السمراء أكثر إشراقًا وحيوية، لما تحمله من دفءٍ طبيعي وحضورٍ لافت، غير أن الجمال الحقيقي لا يُقاس بالمقارنات ولا يُختزل في ميزانٍ واحد.
فليت من تثاقل قلبه من محتوى فُهم على غير وجهه، أو تحسّس من معنى لم يُقصد به انتقاص، يعي أن لون بشرته لا يُقارن بلون غيره، ولا قوامه كقوام سواه، ولا مكانته كمكانة أحد غيره؛ فلكل إنسان خصوصيته التي لا تتكرر، وقدره الذي خُلق له، ومقامه الذي يبلغه بعمله لا بشكله. ومتى أدرك المرء هذه الحقيقة، استراح من عناء المقارنة، وسكن إلى نفسه، وعرف أن الكرامة لا تُستعار من الآخرين، بل تُولد من الداخل.
إن اعتزاز السُمر بلون بشرتهم ليس تعصبًا ولا استعلاءً، بل هو شكر للنعمة، وتصالح مع الذات، وإدراك عميق بأن الله لا يخلق شيئًا عبثًا. فليت أصحاب السموّ الذين نحبهم ونجلّهم يسمون بأفكارهم، ويترفعون عن كل تصور يُتعب مشاعرهم أو يثقل على نفوسهم، فالقيمة الحقة أسمى من أن تُختزل في لون أو شكل.
وتأسيساً على ما سبق، فإن الإنسان حين يعي أن السُمرة كانت لون أبينا آدم، ولون نوح، وإبراهيم، وهود، وموسى، وعيسى، ولقمان، يدرك أن القيمة الحقيقية لا تسكن المظاهر، بل تسكن المعنى. عندها فقط يتحرر من عقد المقارنة، ويقف ثابتًا في إنسانيته، يرى في لونه تاريخًا لا نقصًا، ونعمة لا عبئًا، وعنوانًا للكرامة التي وهبها الله لكل بني آدم دون استثناء.
بقلم: مرزوق بن علي الزهراني




