من الاعتماد إلى النتيجة.. 2026 تعيد هندسة الإنفاق العمومي (قراءة للدكتور التقي شيخنا)
حين يقرر بلد ما أن يغير طريقة إنفاقه للمال العام، فهو لا يعدل أرقاما في جداول… بل يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، وبين “الاعتماد” و“الأثر”، وبين “الإنفاق” و“القيمة المضافة”. ومن هذا المنظور الاقتصادي الصارم، تبدو ميزانية البرامج لسنة 2026 في موريتانيا أكثر من مجرد تمرين محاسبي؛ إنها نقلة في نموذج الحوكمة ورفع لسقف التوقعات نحو إدارة عمومية تقاس بالنتائج لا بالنوايا.
وفي هذا السياق، تأتي قراءة الدكتور التقي شيخنا بوصفها ورقة تحليلية رصينة، تحسن تفكيك التحول الجاري بلغة تجمع بين العمق العلمي والوضوح التنفيذي، وتضع القارئ أمام جوهر الإصلاح: الأداء، الشفافية، المساءلة، وربط التمويل بالإنجاز. فهي ليست إشادة نظرية بإصلاح مرتقب، بل عرض ذكي لمفاتيح التطبيق ومواطن القوة، مع أمثلة عملية تقرب الفكرة من واقع الإدارة اليومية، وتمنح صانع القرار والقارئ العام صورة واضحة عن اتجاه الدولة نحو ترشيد الموارد وتعظيم الأثر.
ميزانية البرامج لسنة 2026 في موريتانيا: منعطف تاريخي نحو الأداء والشفافية والمساءلة في العمل العمومي
مقدمة: إصلاح هيكلي للمالية العمومية
تشكل السنة المالية 2026 محطة مفصلية في تاريخ المالية العمومية الموريتانية. فلأول مرة، يتم تنفيذ ميزانية الدولة بالكامل وفق مقاربة ميزانية البرامج، تطبيـقا لمقتضيات القانون العضوي المتعلق بقوانين المالية لسنة 2018.
ويعد المنشور المتعلق بوضع الاعتمادات وآليات تنفيذ ميزانية الدولة لسنة 2026 الركيزة التشغيلية لهذا الإصلاح، إذ يحول مبادئ التدبير المرتكز على النتائج إلى قواعد عملية، ملزمة وقابلة للقياس.
ولا يقتصر هذا التحول على مجرد تغيير في التبويب أو التصنيف الميزاني، بل يكرس فلسفة جديدة في تسيير الشأن العام، حيث لم تعد النفقة العمومية تقيم على أساس سلامتها الشكلية فحسب، بل على قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة لفائدة المواطن.
1. مسؤولية مديري البرامج: جوهر القيادة الاستراتيجية
من أبرز مكاسب هذا الإصلاح التعيين الرسمي لمديري البرامج، الذين يتم اختيارهم من بين المديرين المركزيين بموجب مقرر وزاري. ويغدو هؤلاء المسؤولون بمثابة القادة الفعليين لمنظومة الأداء العمومي.
مثال تطبيقي:
في وزارة الصحة، يسند برنامج «تحسين الولوج إلى الرعاية الصحية الأولية» إلى مدير مركزي يقوم بـ:
تحديد الأهداف (مثل: نسبة التغطية الصحية في الوسط الريفي)،
ترجمة البرنامج إلى ميزانيات تشغيلية (بناء المراكز الصحية، تزويدها بالمعدات)،
تتبع مؤشرات الأداء (عدد المنشآت العاملة، متوسط مدة التكفل بالمرضى).
لم تعد المسؤولية مشتتة أو غامضة، بل أصبحت محددة بوضوح، مما يعزز المساءلة ويرسخ ثقافة النتائج.
2. تفويض الأمر بالصرف: رافعة للامركزية المسؤولة
يتيح المنشور للوزراء، بصفتهم آمرين بالصرف رئيسيين، تفويض سلطة الأمر بالصرف إلى مديري البرامج. ويقرب هذا التفويض القرار المالي من المستوى الذي تنفذ فيه الأنشطة فعليا.
مثال:
في برنامج لصيانة الطرق، يمكن لمدير البرنامج، بصفته آمرا بالصرف مفوضا، الالتزام بالنفقات والأمر بصرفها مباشرة فيما يخص إعادة تأهيل مقطع طرقي ذي أولوية، دون انتظار مصادقة مركزية من الديوان الوزاري، مع بقائه خاضعا للمراقبة المالية والمحاسبية.
ويؤدي هذا التفويض إلى تحسين سرعة التنفيذ مع الإبقاء على إطار صارم للمسؤولية.
3. ضبط مساطر الأمر بالصرف وتسيير ممتلكات الدولة:
يدخل الإصلاح ترابطا محكما بين النفقة الميزانية والمحاسبة وجرد ممتلكات الدولة، لا سيما عبر نظام MOUMTALAKATY.
الدور المحوري للمعرف الفريد للأصول الثابتة:
يتعين على كل أصل ثابت، ماديا كان أو غير مادي (مبان، مركبات، برمجيات، تجهيزات طبية)، أن يحمل معرفا فريدا يتم إنشاؤه في نظام MOUMTALAKATY.
مثال عملي:
-عند اقتناء وزارة ما لجهاز سكانير طبي لفائدة مستشفى جهوي:
يسجّل الجهاز في نظام MOUMTALAKATY،
يمنح معرفا فريدا،
تنشأ بطاقة جرد (أمر إدخال)،
ترفق هذه البطاقة وجوبا بملف الأمر بالصرف في نظام RACHAD.
ودون هذا المعرف، لا يمكن الأمر بأي نفقة أو تصفيتها. ويضمن هذا الإجراء حماية ممتلكات الدولة، ومصداقية الحسابات، ومحاربة ضياع الأصول .
4. آجال معالجة الملفات من طرف المحاسب العمومي: السرعة في خدمة النجاعة
يحدد المنشور أجلا أقصاه أربعة (4) أيام عمل لمعالجة الملفات من طرف المحاسب العمومي، ابتداء من تاريخ التوصل بملف كامل ومستوف للشروط.
توضيح:
ملف أداء لأشغال تم استلامها يوم الاثنين:
إذا كانت الوثائق كاملة ومطابقة، يجب التكفل بالدفع في موعد أقصاه يوم الجمعة،
في حال وجود خلل، يتم الإشعار بالرفض فورا مع تعليق احتساب الأجل.
ويضع هذا المقتضى حدا للتأخيرات غير المبررة ويؤسس لمسؤولية مشتركة بين الآمرين بالصرف والمحاسبين.
5. المصادقة الفصلية على مؤشرات الأداء: التسيير الاستباقي
يشكل التقييم الفصلي المشترك لمؤشرات الأداء بين القطاعات الوزارية ووزارة المالية أداة استراتيجية بالغة الأهمية.
مثال:
إذا أظهر برنامج للولوج إلى المياه الصالحة للشرب نسبة إنجاز قدرها 30٪ في نهاية الفصل الثاني مقابل هدف سنوي يبلغ 70٪، فإن المراجعة الفصلية تتيح:
تشخيص العراقيل (تأخر الصفقات، صعوبات لوجستية)،
إعادة توزيع الاعتمادات،
تعديل الإجراءات قبل نهاية السنة المالية.
وبذلك تتحول ميزانية البرامج إلى أداة ديناميكية للتسيير، لا مجرد وثيقة تقييم لاحق.
6. عقد الأداء: مواءمة المؤسسات العمومية مع أهداف الدولة
يعد التعاقد حول الأداء بين الوزارات الوصية والهيئات الخاضعة لها (المؤسسات العمومية الإدارية، الصناعية والتجارية، والشركات الوطنية) ابتكارا هيكليا بالغ الأثر.
مثال:
تبرم مؤسسة عمومية مكلفة بالتكوين المهني عقد أداء يحدد:
الأهداف (عدد المستفيدين من التكوين، نسبة الإدماج)،
المؤشرات المرتبطة بها،
الموارد المالية المخصصة،
التزامات إعداد التقارير.
ويجسد هذا العقد التزاما متبادلا: الدولة تمول، والمؤسسة تحقق نتائج قابلة للقياس.
7. إدماج التمويلات الخارجية في نظام RACHAD
لأول مرة، يتم إدراج جميع المشاريع الممولة من الموارد الخارجية بشكل كامل في نظام RACHAD.
ويعزز هذا الإدماج:
الشفافية تجاه الشركاء الفنيين والماليين،
الانسجام بين الميزانية الوطنية والمساعدات الخارجية،
موثوقية المعلومة المالية للدولة.
خاتمة: ميزانية البرامج… تحول في الثقافة الإدارية
إن اعتماد ميزانية البرامج سنة 2026 لا يعد إصلاحا تقنيا معزولا، بل يمثل تحولا عميقا في الثقافة الإدارية، قائما على:
المسؤولية،
الأداء،
الشفافية،
والمساءلة.
ومن خلال الربط الواضح بين الأهداف والوسائل والنتائج والممتلكات، تضع موريتانيا إطارا حديثا لتسيير المالية العمومية، منسجما مع المعايير الدولية .
وسيظل نجاح هذا الإصلاح رهينا بمدى استيعاب وتملك هذه المبادئ من طرف جميع الفاعلين العموميين. فميزانية البرامج ليست غاية في حد ذاتها، بل أداة في خدمة التنمية وتعزيز ثقة المواطن في العمل العمومي.
دكتور في علوم التسيير/التقي شيخنا




