جَاعَ طَيْرٌ، حُبَ وَطَنِهِ ؛ في بلاد المِسْلِمِين….

بلادي هواها في لِساني و في دَمِ ** يُمجِّدُها قلبي و يدعوا لها فَمِ

و مَن يَظلِم الأوطانَ أو يَنسَ حَقَهَا ** تَجِئهُ فُنونُ الحادِثاتِ بِأظْلَمِ

و ما يَرفَعُ الأوطانَ إلاّ رِجالُها ** و هَل يَتَرقّى الناسُ إلاّ بِالسُّلَّمِ

فلا يحب وطنهُ : مَن يَتَعامى عن مَحاسنه، و لا يَرى إلا مَعايِبهُ ؛ يَنتقِد بلاده، و لا يُثني و يَهدم أمجاده، و لا يَبني و يَعِيب أهدافه ؛ فيذهب و يَشتكي على بلاده الأم، عند المنظمات و الهيئات، و يَستدعي عليها لدى أبواب السفارات، و البرلمانات : فلا يَرى في بلاده إلا العيوب و الأخطاء، لا المَحاسن و الٱلاء ؛ بل لا يَسَعهُ إلا العيش في حِضن الأعداءِ طَوقًا، و بُوقًا يُردِد الشتيمة عبر كل لقاء، و خلال كل فضاء، و سِجالٍ على الهَواء، فيعبث بوحد الصف، و يُعَرِّض بسفك الدماء ؛ مُتناسِيٓا فيض نِعمِ الله الشكور، ثم ما بذلت له البلاد الأم على مَرِّ الدُّهُور : من أمنٍ و أمان، و خيرات تأتي من كل مكان مع الظل الظليل، للوطن الوارِف، و كذالك الإستقرار و الدَّعَة : فالنِّعَمُ مكفولة بدوام الحمد و الشكر…… ؛ و لله در قول الشاعر :

بلادٌ بِها نِيطَت عَلَيَّ تَمائِمِ ** و أوَلُ أرضٍ مَسَّ جِلْدي تُرابُها

فحب الوطن : تعبيرٌ ؛ عن إتقان عملٍ بِلا كَلَل، و شُعورٍ بِيَدِ المِنّة للوطن، و دَيْنٍ بالوفاء و الولاء، و الإنتماء و الإرتماء، و الحب المتصِل لا المنفصِل، و بِناءٌ دَؤوبٌ، و سَعيٌ حَثيث، وارتقاءٌ بُدُورِ العلمِ، و ورشات العملِ، و إيتارٌ للوطن لا أَثَرَةٌ للنفس….. ؛ فقد قال الشاعر :

و للأوطان في دَمِ كل حُرٍ ** يَدٌ سَلَفَت و دَيْنٌ مُستَحَقُ

و للحرية الحمراءُ بابٌ ** بكلِّ يَدٍ مُضَرَّجَةٍ يُدَقُ

فَحنانَيْكُمُ ؛ فإن مِن جَمال شريعتنا الغَراء و كامل شموليتها : أنْ جاءت موافقة لفطرة الإنسان في مبادئها و مفاصلها تُراعي الأمر الفطري الذي فُطِر عليه كل إنسان ؛ أَلاَ وهو أنّ النفوس جُبِلت على حب مَسقط الرؤوس : فهنا تأتي الضرورة الشرعية بالإهتمام بإعادة بناء النفس في انتمائها و معنى مواطنتها لبلدها و دولتها، فكل مواطن على ثَغرٍ من ثغور الإسلام ِ فاللهَ، الله، الله أنْ يُأتى مِن قِبَلِهِ ؛ و إنما ينبغي للمحب، لوطنه المُخْلِص، أن يكون مُحسِنًا في عمله، مُتقِن في دَوامهِ، و مُتفَنِّن في إبداعه، و إن لم تَرَهُ عُيون أكمَتَة، المراقَبَة الإصطناعية، و لا حتى تَحديق، مُقَل الرُّقَباء : حيث حماية و صيانة و رعاية الأوطان من صَمِيم مَقاصِد الأديان، و الحمد لله الذي خلق الإنسان، و أودَع العقل ميزان البَيان، و رفع بالعلم قدر الأوطان، فإلى مَألَفِها تحِنُّ الكرامُ لأوطانها، حَنِينَ الطيور لأوكارها، و الأسماك لِبِحارها، و الإبل لِمَعاطنها، و الدواب لِمَرابِعها ؛ و حيث خُروج الأجساد من الأوطانِ يُعادِلُ خُروج الروح من الأبدانِ، فَمَن ذاق عَرَف، و مَن عَرَفَ اغتَرَف ، و لَرُبَ إشارةٍ، أوْدَت بِألْفِ عِبارةٍ ؛ فلقد قال تعالى : “{ و لو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوهُ إلا قليلٌ منهم }”، الٱية.

وقال تعالى : “{ و ما لنا أن لا نُقاتِل في سبيل الله و قد أُخرِجنا من ديارِنا }”، الٱية.

وقال تعالى : “{ إنما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الأرض فسادا ؛ أن يُقَتَّلوا أو يصلّبوا أو تُقَطّع أرجُلُهم من خلافٍ أو يُنفو من الأرض، ذالك لهم خِزيٌ في الدنيا و لهم في الٱخرة عذاب عظيم }”، الٱية.

و لله در قول الشاعر :

لا تَغتَرِب عن وطنٍ واحذَر تَصاريفَ النَّوى ** أَمَا تَرى الغُصنَ إذَا مافارَقَ الأصلَ ذَوى

و قال كذالك تعالى : “{ و لو لا أن كَتَبَ الله عليهم الجَلاءَ ؛ لَعَذبهم في الدنيا }”.الٱية.

و المعنى : لو لا أنّ الله اكتفى أنْ أَخرَجَجهم من بلادهم ؛ لعذبهم بإخراجهم من وطنهم. أو كما في مَعناه.

و قال تعالى : “{ و قال الذين كفروا لِرُسُلِهِم لنخرنكم من أرضنا أو لتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا }”، الٱية.

فاتضح أن الوطن غالي و عالي حتى عند الأنبياء و الرسل عليهم الصلاة مع السلام.

و قال أيضًا تعالى : “{ واقتُلوهم حيث ثقفتموهم و أخرِجوهم من حيث أَخرَجوكم ؛ و الفتنةُ أشد من القتل }”، الٱية.

فالمعنى يا من تحبون وطنكم حبًا أعمى و حق لنا معكم ؛ و الفتنة أشد من القتل: ( الفتنة هي الإخراجُ من الوطن ).

فكل هذه الٱيات الكريمة و غيرها كثير في القرءان الكريم ما يَربوا على خمسون ٱية حكيمة في شأن الوطن ؛ تشير إلى معنى في القرءان الكريم يؤكد فيه معاني كلها من الكِناية العربية في الفصيح : و لذالك كان الإمام الأصوليُّ، النحريري الزَّركَشي الشافعي ؛ رحمه الله تعالى، في كتابه البُرهان، يقول: ✓_ و الكِناية في كَلام العَرَبِ أبلغ و أقوى من التصريح. انتهت عِبارته.

ففطرة الإنسان تَأنس و تشتاق لحب مسقط رأسها ؛ فقد قالت العرب في المَثَل العربي : ^^ فِطرة الإنسان مَعجونةٌ في حُب الوطن ^^، فَ: ” حُب الوطن ؛ من الإيمان ” ؛ قال الإمام المُحدِّث الشيخ الحافظ السَّخاوي الشافعي، رحمه الله تعالى : و إن كان في سَنَدِه ضعف ؛ إلا أن معناه صحيح، و له شواهد صحيحة. انتهت عِبارته.

و لَفْظَةُ « الوطن » : لم تأتي قط تصريحا في القرءان الكريم، و ذالك لحكمة بالغة ربّانيّة و معجزة خالدة قرٱنيّة ؛ و العلماء في إجابتهم عنها يقولون : ما كان من قَبِيل الفِطرة لا يحتاج إلى تصريح ؛ و لقد قال سبحانه و تعالى : “{ و قضى ربك أن لا تعبدوا إلا إيّاهُ ؛ و بالوالدين إحسانا }”، الٱية.

و المعنى : أن فِطرة الأب و الأم من الطبيعي أن يُحسِنا إلى فَلِذة أكبادِهم ؛ فلا يَحتاج الأمر من الحق سبحانه و تعالى على تأكيد، و لا مَرَّةً قال: و بالأولاد إحسانًا.

ولله عبارة الإمام الهُمامُ و العالم القُمامُ الغَزالي رحمه الله تعالى : ✓_ لا يكمُلُ الدِّينُ إلا بالدنيا ؛ و المُلكُ و الدِّينُ تَوْأمان.

الدِّينُ أصلٌ و السلطانُ حارِسٌ ؛ و ما لا أصلَ له فَمَهدومٌ، و ما لا حارِسَ له فَضائِعٌ. انتهت عِبارته.

فالوطن هو : الدافع للإحساسِ، و بُطئ المَساس يَقتُل الإحساسِ، بالفاعلية و نجاعة الشغف، و شجاعة تحقيق الهدف، لا الهَرَف بما لا يُعرَف، و خبائل الخَرَف ؛ فحب الوطن جزء من الفطرة السليمة، و المفسرون، في تفاسيرهم يقولون : ما عُصارة زُبدَته، و جُبْنَة أُدُمِه ؛ لو لا أن حب الوطن، جزء من الفطرة السوية، ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم و هو مُهاجِر من مكة إلى المدينة قوله سبحانه و تعالى : “{ إن الذي فرض عليك القرءان لرادك إلى مَعاد }”، الٱية.

قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى، في تفسيره في صحيحة : المَعاد : “( مكة المكرمة)”.

فمحبة الأوطان، واجب كل إنسان رغم الداء و الأعداءِ، و واجبٌ مُجتَمَعِي، و فرضٌ شَرعي ثم اعلموا بأن لِواء الوطن، لن يرفرف فوق رؤوسنا، إلا إذَا ارتفع، حبه في قلوبنا، عَلّنا نكونُ بعدُ إلى حِينما كان ينظُر الناظِرُ، إلى سحابة تمشي في السماء، فيقول : أمطري حيث شئت، فسوف يأتيني خَراجُكِ.

و لَعلنا نعودُ إلى حالٍ، كان القمحُ يُرمى على رؤوس، الرواسي الشامخات حتى لا يُقالَ : « جاعَ طَيْرٌ ؛ في بلاد المسلمين ».

و حيث المواطنة و الوطنية لا تكونان إلا بإيجابية حقيقية نابعة من سويدات القلب المُمتَلِئ بالدِّينِ.

فقد قال المفكر اللبناني السيد خليل جُبْران خَليل: تَقُومُ الأوطانُ على ثَلاثةٍ:

1_ فَلاّح يُغذّيه.

2_ و مُعَلِّم يُرَبِّه.

3_ و جُنْدٍ يَحمِيه./ انتهت عِبارته.

فالدِّينُ هو : الذي يُحَرِّك، و يَدفَع بالناس ؛ إلى مَعالي، لا سَفاسِف الأمور، المُحَبَبة إلى الله عز و جل ؛ فقدوتنا، رسول الله صلى الله عليه وسلم، فِيهَا : فلقد كان ؛ يَقومُ فيحتطب، و يَرعى غنمه، و يحلَب شاته، و يَخصِف نَعله، و يكنس بيته، و يُعَمِّرُ وطنه عليه الصلاة و السلام.

و لقد قال صلى الله عليه وسلم : “( اليد العليا خيرّ من اليد السفلى )”، الحديث الشريف.

و إن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ قد عمل، على مُضاعفة العمل و الجهد، و صيانة ديناميكية، اقتصاد وطنه، و يَده العاملة، و المُقبِل على العمل مع عامل و حافز، لا حاجز مورنة الإستيراتيجيات، و تحيين القرارات، و اختبار القدرات، و مراعات المقدرات، و أمثَلَة استغلال الثرواتِ، حِفظًا لِلمالِ العام، صِيّانَةً لِلْأُمَّةِ و أجيالها، و بأن القِيادة تُبنى في الرَّخاء من جهةٍ، و لا تُختَبَر إلاّ عند الشِّدَّة من جهةٍ أخرى، و كذالك بأن المواطن الصالِح، خيرٌ من الفَردِ الصالِحِ، و أيضًا الشخص الإيجابي، دَوْمًا لا تَنتَهي أفكارُهُ ؛ و الشخص السَّلْبِي، دَوْمًا لا تَنتَهي أعذارُهُ، و كما أنّ الفَراغَ مَفسَدَة، و النجاحُ مَصيَدَة، و العدلُ أساس المُلك، و الرحمةُ مِيلاط رائدُ ؛ قَنطرة التعمير، لا قاطرة التدمير للأوطان، عليه أزكى السلام، و أطيَب الصلوات : فقد قال صلى الله عليه وسلم : “( ما مِن مُسْلِمٍ يَزرعُ زَرعًا، أو يَغرِس غَرسًا ؛ فَيَأكل منهُ : طيْرٌ أو إنسانٌ، أو بهيمة ؛ إلا كُتِبت له به صَدقة.

و في رواية: فما رُزِأَ منهُ و ما سُرِق منه فلهُ صدقة )”. الحديث الشريف.

و جاء عنه صلى الله عليه وسلم قوله : “( إذا قامت الساعة و في يد أحدكم فَسَيلة ؛ إن استطاع أن لا يقومَ و في رواية: إن إستطاع أن لا تقوم الساعة حتى يَغرِسها، فليغرسها )”الحديث الشريف.

و قال كذالك صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم : “( عِبادة في الأرض في أزمنة الغَفلة ؛ كَهِجرةٍ إليَّ يدفعُ اللهُ بها عن الغافلين )”رواه مسلم.

و معلومٌ بأن العمل عِبادة لا عادة ؛ فقد روى النسائي في سُنَنه، و صححه الألباني في صحيح الجامِع ؛ قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “( إذا مات الرجُلُ في غير مَولِده:[ أرض وطنه] ؛ قِيسَ له مِن مَولِدِهِ إلى انقِطاعِ أثَرِه )”رواه النسائي.

فَدُونَكُم ؛ قتيل حب الوطن الإمام النّاسِك، و مفتي المَناسِك، فقد ذكر الإمام ؛ تقي الدِّين التاج السُّبكي، في طبقات الشافعية الكُبرى، رحمه الله تعالى : سَبَبًا عَجِيبًا، في وفاةِ، أحد كبار مُتقدِّمي، عُلَماء الشافعية، و هو: الشيخ الجليل، المُلَقب بالباز الأبيَض : أحمد بن عبد الله رحمه الله تعالى ، يقول السبكي : ✓_و كان سبب وفاته أنه أَمْلى فَصلاً في حب الوطن ؛ فمرض عَقِبَهُ، و توفي بعدُ : جُمعة 17 رمضان 356 هجرية.

فهو رحمه الله تعالى ؛ لم يتحمّل، لأنه كان بعيدًا، عن وطنه.

فلما أملى هذا الفصل تأثر و مرضَ و ماتَ ؛ و لا عَجَبَ في هذا، فإن الله عز و جل : قد قَرَنَ، بين أن يَقتُلَ الإنسان نفسه، و بَيْنَ أنْ، يَخرُج من وطنه ؛ فقال: “{ و لو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو أخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليلٌ منهم }”، الٱية.أو كما في مَعنى عبارته رحمه الله تعالى.

و قال تعالى : “{ أذُن للذين يقاتَلون، بأنهم ظُلِموا، و إن الله على نصرهم لقدير ؛ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، إلا أن يقولوا ربنا الله }”،الٱية.

و قال تعالى أيضًا حكاية عن فرعون ذي الأوتاد : “{ يريدان أن يخرجاكم من أرضكم، بسحرهما ؛ و يَذهَبا بطريقتكم المُثلى }”،الٱية.

فمن أراد أن يبني و يحب و طنه: فَلْيَسلُك طريقًا مَؤمونًا ؛ رائده في ذالك كتاب و كَلام الله سبحانه و تعالى و سُنة رسوله صلى الله عليه وسلم: فيُظهر إنتمائه الحقيقي في كل شيئ يبنيه، و بكل شيئ يَعمُرُه حتى و لو لم يكن خيره إليه واصله.

فهذه عبارة الإمام التابعي الجليل مَولانا: ابراهيم بن أَدهَم رحمه الله تعالى، مُناصِحًا لا مُشاحِنًا، لأحد تلامذته و هو: شقيق البَلْخي رحمه الله تعالى، قال له:« ما وسِعك، أن تكونَ ؛ الطائرَ الٱخر.».انتهت عبارته.

فقام شقيقٌ البَلْخي و قَبَّلَ يَد شيخه و عمل بنصيحته ؛ فنبذ عن نفسه الكسل و التكاسل.

و ما أروَعَ عبارة الروائي البَرازِيلي ؛ بَّاوْلُو مِيكَايْلُو، و التي خاطبَ بها، صَغِيرَهُ المُشاغِب ؛ كما نَشَرَ بنفسه، في رمزِيَّةٍ فريدة نَصًا، و فَصًا، و حَرفًا، فقال له: “[ صَدَقتَ يا بُنَيْ ؛ إذَا بُنِيَّ الإنسان، بَنَيْنا الأوطان ]”./ أو كما في ترجمتها، و معناها

و كذالك تَأمَّلوا، واعتبروا يا أولي الأبصار، و الحِلمِ، و العِلم، و النُّهى ؛ مُرور كِسرى الكافر بين يدَيْ رعيته، و هو يَمُرُّ و معهُ أمير الجنود و معه مَن يُماشِيهِ، و معهُ رُزَمُ دنانير المال الوفير و الكثير : يوزعها على الفقراء ؛ فَيَلقى شيخًا هَرِمًا جاوَزَ الثمانين من عمره: لكنه ينحني ليغرس شجرة زيتون صغيرة.

فقال له كسرى متعجِبًا : تَغرس شجرة زيتون و لا يَثمُرُ إلا بَعد ثلاثون حِجة؟، فقال له الشيخ: أميرَنا أكَلنا مِمّا زَرَعه مَن قَبلَنا ؛ فنزرع لمن يأتي بعدنا.

فأعجِب كِسرى الكافر ؛ بمقالة الشيخ الهرم، و قال لمن معهُ: زِهْ، فأعطاهُ ألف دينار ….إلى ٱخر القصة، المعروفة ؛ لأهل الإطلاع المَعرفي.

و يالَ حسن أيضًا قول القائل :

رِجالُ الغَدِ المؤمولِ إن بلادكمُ ** تُناشدكم باللهِ أن تَتَذَكَرُ

عليكمُ حقوقٌ للبلاد أجَلُّها ** تَعَهُدُ رَوْضِ العِلمِ فالرُّوْضُ مُقفِرُ

فكونوا رجالاً عاملين أعِزَّةً ** و صُونُوا حِمى أوطانكم و تَحَرَّرُ

فتنمية الأوطان يا شناقطة : لا تقوم إلا بتنمية الإنسان، و لا يكون ذالكمُ إلاّ بِزِينة، زيادة حُلي الإيمان ثم مَهيَع الإحسان، و العمل على وَحدَة الصف، و سُلوك الجادة لا الهتافات، و الشعارات و لا فقط حتى أغاني يُرَددها الناسُ في المناسبات، و الحملات، فذالكم البيان حيث يبدأ العنوان و ينشأ حب الأوطان، و يَشِيبَ فِيه مَفْرَق الإنسان ؛ مع التنبيه إلى أن الأ حكام الشرعية تارةً تُعرَفُ بمقاصدها، و تارةً أخرى تُعرَفُ بوسائلها : لأن القاعدة الشرعية، أنّ الوسائلَ، لها أحكامُ المَقاصِد ؛ فالمَقصَدُ، إذا كان مَطلوبًا، فوسيلة المَقصَد، مَطلوبة، و منه تفرّعت، القاعدة: فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجبٌ، و ما لا يَتِمُ المَندوبُ، أو المُستَحَبُ، أو المَطلوبُ إلاّ به ؛ فهو مَندوبٌ، أو مُستَحَبٌ، أو مطلوب.

و أما بخصوص مَن اعترضوا ؛ على مشروعية، حب الوطن، و الإنتماء، و المواطنة ؛ فجانبهم الصواب، و خذلهم الجواب، و فضحهم الكتاب، و سامَهم الخِطاب، بِسُوء العذاب، و دُبُرَ الإيّاب ؛ فسُئلوا ، فأفتوا : فَضَلوا و أَضَلوا، عبر جوابٍ، مُختَلاً و مُعتَلاً ثم مُبتَذَلاً، مُمَلاً ؛ حيث ٱيات التفضيل مَرجوحةٌ، و يافطة الأفضلية مَبحوحة، و لا حُجِّيّة بدعواهمُ ؛ الباطلةِ العاطلة، و الفاشلةِ النازلة ؛ فَمَعلومٌ، عند العلماء الأثبات، أنه عند التعارُض، أو الإلتقاء في الأدلة، يأتي الحُكم : بحيث إذا عَرَضَ، أو جاء تفاضُلٌ، فيُقدَّم الأفضلُ، و يؤخَر الفاضلُ ؛ فالمفاضلةُ، التي جَنَح إليها : رُوَيْبِضة سُفهاء الأحلام، و زُوار رَوْض مَقاهي الكَلامِ، ذَوُوا نقض العهد، و الود و الميثاق، و العبث بالأوطانِ، و ترهيب الإنسانِ، و إذاقة الٱمنين فنون الشقاقِ، و الإملاق في الأخلاق، و هَوَس الشُّهرة بِنشر الشائعات، و فَهْلَوة التَّكْبِيساتِ، و زَندقة الإلحاد في المَنشوراتِ، و الخُلْوَة بالشهوات، و إذكاء الخِلافاتِ، و السقوط بالنزاعاتِ، و الفُجور بالخُصوماتِ، و السُّفور بِنابي لا حاني الكَلماتِ، و المُجون بالتَّدوِينات، في حُرمة حق، و رِفعة و كذا شرف الذَّوْد عن الأوطانِ، و بَذل الحب لهَا، لا دِياثةً على شعوبها، و خِيانة لِعُلْيَا مَصالِحها ثم كَيْل و سَيْل جزاف الإتهاماتِ، و النَّيْلَ منها في كل قِيلٍ و قالٍ بالإضطراباتِ، كَخِنْجَرٍ مَسمومٍ، يَطعَن جَسَدَ البَلَد، و يُثير الفوضى، و يُغذي الضوضاءِ و الفُرقة و التفرُقةِ دُونَ مَسكَتٍ من العِلمِ، فَيُفتَح بذالكم البابُ لِيَلِج، و يدلف مِنهُ اللئامُ، أعداء الوَحدة و الوئام، و الهُويّة و الإنسجام، و المواطنة و الإحترامِ، و عَصَى الجَماعَة و الإلتِزامِ، حيث العاقل تَظهَر حكمتهُ عند الفِتَنِ بَينَ الناسِ، و قُبورُ فُسّاقِ أهل السُّنّةِ، رَوضةٌ من رِياضِ الجَنّنة، وقُبورُ زُهادِ أهل البِدَعِ، حُفرَة مِن حُفَر النيرانِ : و أهل السُّنَّةِ، و إنْ قَعَدَت بهمُ أعمالهمُ، قامت بهم عَقائدهمُ و أهلُ البِدَعِ، و إنْ قامت بهمُ أعمالهمُ، قَعَدَت بِهُمُ عَقائِدُهُمُ ؛ ليست دليلاً، على عدم المشروعية، فهي دليل، على الأفضلية : يا مَن أنتم تُحبون وطنكم، و تُشَمّرون عن سَواعدكم، و تأكلون من عَرَق جَبِينكم، و تُنفقون بِرًا بِوالِدِيكم، « أفَمَن كان على بيّنة من رَبِّهِ ؛ كَمَن زُيِّنَ له سوء عمله، واتبَعوا أهوائهم »، الٱية.

و لقد قال سيدنا، و حبيبنا، و قدوتنا، و ثمرة أفئدتنا ؛ أمير المؤمنين الإمامُ عَلِي بن أبي طالب رضي الله عنه، و كرم الله وجهه : ✓_ أهلُ الباطِلِ، في باطِلِهم، أشدُ ؛ مِن أهل الحق، في حقِهِم./ انتهت عِبارته.

فهذا هو الذي طُبِّقَ في السُّنة، و عَمِله النبي صلى الله عليه وسلم، في موقفٍ حزين، و فِراقٍ و حَنِين، كيف لا و هو سيد الورى، يُوَادِعُ أُمَّ القُرى ؛ فهاجر، عند ما ضايقوه، و أمر الصحابة رضي الله عنهم بالهِجرة : و هو يحب مكة، و دعا بأن يكون حب المدينة، كحب مكة أو أشد ؛ فدعائه صلى الله عليه وسلم : دُعاء عِبادةٍ، و ولاءٍ، و وفاء لاَ لْتِواء ؛ حيث سِيرته الزكيةِ النديّة، عَطِرة بتعبُده لربه، سبحانه و تعالى ؛ بحب و طنه، و تشريع ذالك لأمته الغَراء، مِن بَعدهِ ؛ و إنّ سَريرَته الشريفة: لَمَفطورة جِبِلِّيَّةً، على حب الوطن ؛ و ليس خِطابه : مقصورًا، و لا حتى محصورًا، على أهل مكة، و المدينة: بَل تَشريعًا عامًا، فصار من الواجب شرعًا، حب البلد الذي نشأ فِيهِ، صلى الله عليه وسلم، و كل بلدٍ، نشأنا فِيهِ، نحنُ كذالك.

ولقد انتقل عليه الصلاة و السلام : من مكة وقتها، إلى المدينة في هِجرةٍ شرعيةٍ : و عليه فَلِأَيِّ معنًا، يَحزَن على شيئٍ فارَقه شَرعًا ؛ فأقول لكمُ، و ذالك لِأمْرَين :

1_ لأن الفِطرة مغروسٌ، و محروس فيها ؛ حب الوطن.

2_ و لأن حب الوطن هذا : متوافق مع الشرعي ؛ و إلا لو كان يُخالِف، معنى الهِجرة، لَمَا كانت مكة، أحوالها طيبة : فهي في ذالك الوقت، بلد عدو، لا صديق ؛ أخرجت النبي صلى الله عليه وسلم.

و لهذا يا أحفاد، و أولاد أرض المَنارة، و الرباط : يُظهِرُ الحديث الشريف ؛ الحب الفطري، الذي بقلبه صلى الله عليه وسلم ، فقال في مكة : “( اللهم إنك أحب بلاد الله إليّ ؛ و لو لا أن قومكِ، أخرَجوني منكِ، ما خرجت)”، رواه الترمذي.

فجَعل سبب خروجه هو : إخراجهم له، عليه الصلاة و السلام.

فحب الوطن مسألة فطرية موجودة في النفس، و الدفاع عنه هو عين مراد الله و رسوله صلى الله عليه وسلم: فحب الوطن هو دِينٌ و فِطرة كما ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم، بأقواله، و أفعاله في غزواته، و تقريره لأشعار، و مأثور صَحبِه رضي الله عنهم.

و لكن يزيد عليها يا كِرامُ: أمر ٱخر شرعي، و مَطلَب مَقاصِدي، بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، بقوله: “( اللهم حَبِّب إلينا المدينة كما حَبَّبتَ إلينا مكة أو أشد )” الحديث الشريف.

و جاء في رواية: “( و الله إنك لأحب بلاد الله إلى قلبي ؛ و لو لا أن أهلَكِ أخرَجوني منك، ماخرجت )”الحديث الشريف.

و قال أيضًا عليه الصلاة و السلام ؛ و هو يُعلي شأن وطنه الجديد المدينة : “( اللهم أجعل في المدينة ضِعفَيْ ؛ ما جَعلت في مكة من البركة )”رواه البخاري.

و جاء عنه أيضًا صلى الله عليه وسلم ؛ و هو في حالَة مَن أسرَعَ العَنَقَ، حتى يُعانق المدينة، و حرَّكَ و أوضَعَ راحلته، فاستَحَثَّ خُطاه نحوها إيّبًا، فيقول: “( هذه طابَ:[ المدينة المنورة ]، و هذا أحُدٌ جَبلٌ ؛ يحبُنا، و نحبه.

و قال كذالك: اللهم بارك لنا ؛في صاعها، و في مُدِّها ؛ اللهم صَحِّحها إلينا، وانقُل حُمّاها، إلى الجُحفَة )”الحديث الشريف.

و يقول كذالك صلى الله عليه وسلم ؛ دائما بعلو شأنها، و التفاخر بها على غيرها: “( إن الإيمان لَيَأرِزُ:[ يَعُود]، إلى المدينة ؛ كما تَأرِزُ الحَيَّةُ، إلى جُحرِها )”الحديث الشريف.

فمعنى حَبِّب إلينا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يدعو ؛ إلى شيئ، غير شرعي، و لا مشروع ؛ فلو كانت المدينة مُساوية لعير المدينة، و مكة مساوية لغيرها، في النفس الفطرية، لأنه نشأ فيها ؛ لكان الأمرُ، لا يَتَطَلَّب سؤال الله جل و علا: لأن سؤال الله سبحانه و تعالى ؛ بأن يُحَبِّبَ: معناهُ أن هذه المحبة، مطلوبة شرعًا.

و النبي صلى الله عليه وسلم : لم يَطلب شيئًا من الدنيا ؛ و إنما يَطلُب شيئًا شرعيًا، له أثرهُ في الدِّينِ و الشرع و التشريع ؛ أرَقَهُ فِيهِ ما أَرَقه، و أمَضَّ قلبهُ، و أوجَعهُ ما أو جَعه حتى تحركت نفسه، الشريفة و المُنِبفة، لحب وطنه، و تَذَكُرِ إلْفِه ؛ عليه الصلاة و السلام….., و لله در الأتي في عبارة الإمام السُّهَيلي رحمه الله تعالى، في تعليقه على حديث ورقة بن نوفل، فقال: يؤخذ منه شدة مفارقة الوطن على النفس ؛ فإنه صلى الله عليه وسلم سمِع قول ورقة: أنهم يؤذونه و أنهم يكذبونه ؛ فلم يُظهِر إنزعاجًا لذالك

فلما ذَكرَلهُ: الإخراج ؛ تحركت نفسه، لحب وطنه، و إلفِهِ، فقال: أَوَ مُخرِجِيَّ هُم؟. انتهت عِبارته.

و عليه فإن المحاولات التي يشنّها المغرضين ؛ لطمس مَعالم السنة و مكانتها، و التشكيك في كلام الله الحافل : بالمدح، و الندب إلى تعميير القلوب بحب، و وجوب الدفاع عن الأوطان : لَهو ناقوس خَطَر ؛ يُدَقُ في أركاننا، حتى تَهلَك أوطاننا، و تَضيع مقدساتنا، و تَذبُل أخلاقنا، و تُهدَم قُدواتنا، و تقطع الصلة، بين الأمة، و المنهج النبوي التطبيقي ؛ كأنما يُستبقى السَّيْف في غمده يوم الوغى، أو يُستَسقى الغَمام، و لا يُؤذَن له بالمَطر ؛ بل الصّدح بالحق الأبلج، في وجه كل باطل لَجلَجٍ، بحيث تُصاغ الرؤى الكبرى، و يُعمَل و يُصان العقل السليم، و يُجَيَّش للكَلمة المؤثرة : التي تمكن، من منح تَأشرة، و جواز سفَرٍ، إلى رؤية شمولية، لإظهار، و نفض الغبار ؛عن تأويل النصوص، و الظواهر بأسلوبٍ، تاريخي أديبًا، و لغوي خَطِيبًا، و متناسق أرِيبًا، و مَنطق لَبِيبا.

فلقد قال حبيبنا عليه الصلاة و السلام: “( يوشِكُ الرجُلُ مُتَّكِئًا على أَرِيكَتِه ؛ يُحَدَّثُ بحديثٍ، فيقول: بيننا و بينكم كتابُ الله عز و جلّ ؛ ما وجَدنا فيهِ من حلالٍ استحلَلناهُ، و ما وَجَدنا فِيهِ من حرامٍ حرَّمناهُ ؛ أَلا و إنّ ما حَرَّمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما حَرَّمَ اللهُ )”الحديث الشريف.

و عنه صلى الله عليه وسلم قال: “(لَتَأمُرُنّ بالمعروفِ، و لَتَنهَوُنَّ عن المزكر، و لَتَأخُذُنَّ على يَدِ السفيهِ، و لَتَأطُرُنَّهُ:[ تُجْبِرُنَّهُ]، على الحق أَطْرَا:[ جَبْرَا ] ؛ أو لَيُوشِكَنَّ اللهُ، أن يعذبكم بعذابٍ ؛ فَيَدعوا صُلَحائُكُمُ، فلا يُستَجاب )”الحديث الشريف.

و قد قال كذالك كما في حديث السفينة، و أصحابها المشهور : “( ……….، فقال صلى الله عليه وسلم: فلو أنهم تَرَكوهُم و ما أرادوا ؛ لَهَلَكوا، و هَلَكوا جميعًا.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: و لو أنهم أَخَذوا على أيديهِم ؛ لَنَجَو، و نَجَو جميعا)”الحديث الشريف.

و لله كذالك قول القائل حتى نُغبِّرَ في مُخَدراتِ وُجُوه حِسانِ، أُغَيْلِمة الشيطان، الذين لم يَطمِثهُنَّ، إنسٌ قَبْلِي، و لا حتى جَان ؛ يا ناكِري حمد، وشكر : نعمة استقرار، واستمرار الأوطان :

العينُ بَعدَ فِراقِها الوَطَنَا ** لا ساكِنًا أَلِفَت و لا سَكَنَا

رَيّانَةً بِالدَّمعِ أقلَقَها ** ألاّ تُحِسَ سَكَرًا و لا وَسَنَا.

و لقد قال تعالى : “{ و إذْ تَأَذَّنَ ربُّكَ ؛ لإن شكرتم، لأزِيدَنَّكم، و لإن كفرتم ؛ إنّ عذابي لَشَديد }”،الٱية.

فورقة بن نوفل هذا ؛ في حديثه إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم قال: “( يا ليتني فيها جَذَعًا، يعني شابًا، ليتني فيها حَيًا؛ إذ يُخرِجكَ قومُك.

فقال صلى الله عليه وسلم: أوَ مخرجي هم؟, قال: نعمْ ؛ ما جاء رجُلٌ بِمِثلِ ما جِئتَ به ؛ إلا عُودي )”الحديث الشريف.

فَهُنا لا مُكابرة : في وضوح، و بقاء، في قلبه الشريف ؛ نَزعات الحنين، لأن أخلاق سيد الرجال، تُعرَفُ بالحنين إلى الوطن الأم ؛ في نفثة مَصدُورٍ، و أنَّة مُوجَع القلب الشريف كَلِيم، فتنهمر منه صلى الله عليه وسلم دَمَعات القلب، قبل عَبَرات العين حتى قال: في وقت، حاضِرَة الصُّبح: “( اللهم ألعن شيبة بن ربيعة، و عُتبة بن ربيعة، و أُمَيَّة بن خَلَفٍ ؛ كما أخرجونا، من أرضنا ؛ إلى أرض الوباء )”رواه البخاري.

ولقد ظل القرءان الكريم :ينعت الصحابة ؛ بالمهاجرين، و الأنصار: و كأنه يُواسيهم، في تهجيرهم، من أوطانهم، مضطرين تحت ضغط المشركين، و تضييقهم عليهم، إلى المدينة ؛ هذا إلى جانب أقوى، و أدعى، و أبقى ثم أرقى ما كان يَخافه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن يُفتَنَ أصحابه ؛ بحب و طنهم، القديم مكة ؛ رغم حبهم له، و العيش مع صلى الله عليه وسلم.

فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على مَشارِف مكة بِتَل الحَزوَرَة و قال: “( و الله إنك لأحب بلاد الله إلى الله، و أحب بلاد الله إليّ ؛ و لو لا أن قومك أخرَجوني منك، ما سَكَنتُ غيرك )”، رواه الترمذي.

فلما استقر بالمدينة المنورة قال صلى الله عليه وسلم: “( اللهم بارك لنا في مُدِّها و صاعها ؛ و اصرف حُمّاها إلى الجُحفة )”الحديث الشريف.

و ما دعاء الركوب في السفر بين الأماكن : إلا سبب لذكر نِعمة الله تعالى؛ فقد قال تعالى : “{ وذاكُروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ؛ و قولوا سبحان الذي سخر لنا هذا و ما كنّا له مُقرنين، و إنّا إلى ربِّنا لَمُنقَلِبون }”، الٱية.

و الله تعالى أعلم و أحكم.

و لقد قال أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه : “[ الراحة للرِّجال غفلة ؛ لا أَرَيَنًّ أحدَكمُ سَبَهبَلاَ:( شَذَرَ مَذَرَ)، لا في عمل دنيا، و لا ٱخرة.

و قال أيضا: عَمَّرَ اللهُ البلدانَ ؛ بحب الأوطان ]”.

و لقد قال ربنا سبحانه و تعالى : “{ الذي إن مكناهم في الأرض، أقاموا الصلاة و ٱتوا الزكاة ؛ و أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر، و لله عاقبة الأمور }”، الٱية.

و قال تعالى : “{ هو الذي أنشئكم من الأرض ؛ واستعمركم فيها }”، الٱية.

و قال تعالى : “{ هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها ؛ و كلوا من رزقه و إليه النشور }”، الٱية.

قال العلماء ؛ و حيث يا ناكري حب الوطن في الإسلامِ، لُحومُ العلماء مسمومةٌ، و عادةُ اللهِ في الإنتقام لهم معلومةٌ : إن خِطاب القرءان بقوله ” لكم “، أنّ اللامَ هُنا تُفيد الإختصاص ؛ أيْ أنتم مَعاشِر المسلمين مختصون بأن تُعَمِّروا الأرض.

و قال تعالى : “{ عَلِمَ أن سيكون منكم مرضى و ٱخَرون يضربون في الأرض ؛ و ٱخَرون يُقاِتِلون في سبيل الله }”، الٱية.

قال الإمام المفسر مولانا القُرطُبي، رحمه الله تعالى : قَدَّمَ ربُّنا سبحانه و تعالى العمل و الضرب في الأرص ؛ ابتغاء الرزق على الجهاد في سبيل الله ثم قَرَنَ بينهما.

فَدَلّ على أن العمل : إذا صحبته نية، في أنك تقوم بواجبك، في هذه الأرض ؛ أنك بمَنزِلةِ، المُجاهِد./ أو كما في معنى تفسيره ؛ رحمه الله تعالى.

و قال أيضًا الإمام الجاحِظ، المُتَوَ فى سَنة 250 هجرية، رحمه الله تعالى، في كتابه: ” الحنين إلى الأوطنا”، عِبارته الشهيرة :✓_ كانت العَرَبُ إذا غَزَت أو سافرت ؛ حَمَلَت معها تَربةُ بلادها ، تَستَنشِقُهُ، عند أيَّ نَزلةٍ تُصيبُها، انتهت عِبارته.

فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كما هو متفق عليه ، قالت ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “( بسم الله تُربةُ أرضِنا، بِرِيقةِ أحدنا، يُشغى مَريضنا بإذن ربنا )”متفق عليه.

و لقد جاء كذالك في قوله عليه الصلاة و السلام : بعد ما أحد الأنصار استضافه في بيته ؛ فأقسم بأن يذبح شاة، لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له المصطفى صلى الله عليه وسلم : “( إياكَ و الحَلوب )”. الحديث الشريف.

فيحافظ بذالكمُ، على كُوب كأس لَبَنٍ ؛ لأنه يشكل مورد غذائي، غني بالفيتامنات النافعة ؛ و حتى تتحقق أيضًا، بذالكم طرافَة، و ظَرافة المَعمول به فِقهًا : ( إقامة الأبدان، قَبل إقامة الأديان )، فاللَّبَنُ مَورد : من بين أهم موارد الوطن.

و قد جاء عنه صلى الله عليه وسلم قوله : “”( لا تُسرِف و لو كنت على نهرٍ جار )”. الحديث الشريف.

و لَمّا يَرى أحد الصحابة رضي الله عنهم يَتجاوز الثلاثة في الغَسل يقول له : “( فمن تجا وَزَ الثلاثة فقد بَغى، و تَعدّى و ظَلَم )”. الحديث الشريف.

فذالكم غيضٌ من فيض ؛ في صيانة كرامة الوطن و رعاية موارده مع توسيع إشارة حسن الفهم، لا تعشيش الوهم، كلا و لا ضِيق العَطَن و لا شَقاشِق الوهن ثم لا سوء الظن إلى شمولية دوائر مفهوم : صِيّانة تخوم و حدود الوطن، و صياغة إبرام المواثيق الفردية أولاً، و المعاهدات الداخلية ثانيًا، و أيضًا مبادرة الإستهام بإراز سَرايَا، و جَحافل رؤوس المؤثرين الأكفاء ؛ في عِلم، و فَنّ، و كذا صَنعة التوعية بِجُسور التواصل الحضاري، لا صراع الكَراسي ؛ فلا تدامُ الحضارات بكثرة الصراعات ، و لا تُنصَب ألوية الرايات بالشعارات، و لا كذالك تُبنى الأمجادُ بإنشاد شِعر الأبياتِ: في زَمَنٍ الفطرة فِيهِ مُنتَكِسة، و الفكرة يائسة، و العقولُ كَجَعجَعَةٍ بلا طَحِينٍ ثم المسؤل لا يَتَفَلَت من صَلاةِ، و لا يفتقده مِحراب، بينما متفلّت و ماكِر مكر السوء، إلا من رحم ربي في مسؤولته و واقعه، و عمله ثم مُؤسسته ؛ سِينْفُونِيَّة عْزْفِه : « أيَظُنُّ الوطن أننا لُعبَة بِيَدَيْهِ ؛ ما أحلى الرجوع لَدَيْه ثم التَّسَوُل بالرَّفاهِيَّةِ لِلْمُوَظَف المُتَلَصِّص فِيه »، و إن الكريم يَحِنُّ إلى جَنابه، كما يحن الأسَدُ إلى غابه…. ؛ و ما أحسن قول القائل :

و كنّا أَلِفنا ها و لم تكن مَألَفًا ** و لكن يُألَفُ الشَّيئُ الذي ليس بِالحَسَن

كما تُألَفُ الأرضُ لم يَظهر بها ** هواءٌ و لا ماءٌ و لكنها وَطَن

فحب الوطن الأم أمرٌ أقوى ما يَقذِفهُ الله في القلوب الوديعة. البدية و الحبيبة، القريبة ؛ و حيث قالت العَرَبَ: “[ كَلامُك عنوانك ]”، فحب الوطن أفعال لا أقوال، و قيمة أخلاقية تظهر على السلوك لا ادعاء ؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم : “( الدِّينُ المُعامَلَة )”الحديث الشريف.

و حب الوطن هذا يا كِرام : أكبر من قصيدة عَصماء، و خطبة فصحاء، و يومٍ يَتِيم، و جنس حميم، و أيضا أعمق من شعور عابر، و دَمعٍ هامِر ثم أبلغ من مظهر أو لوحة أو شعار ؛ بل أغلا من النفس و إن ضَنّ اللئيمُ بها و ^^ الجُودُ بالنفس أقصى غاية الجودِ ^^، فلا يرى حب الوطن : كُل عِلجٍ مُلْفَجٍ ؛ لا يَطَّلِعُ عليه مِنهُ، سوى الهَنَات، و لا يَقف منه إلا على الجروح و العيوب و العوراتِ : لا بِسًا مُسُوحَ الإصلاح قبل الصلاح، و مُبْتَهِلآ بِحَيَ على الفَلاحِ، قد قامَت صَلاة، جَولات اللَّيْفاتِ المِلاحِ، وَاكشِفَنَّ يَا : ^{ Bro }^، لِلعَورات وارتاح ؛ خالِعًا خِلعة النقد الهادفِ، جَنْيًا مِنهُ لخيرات وطنه ثم استثمارها سَلْبًا و حَلْبًا، فالإبن الحقيقي للوطن : مَن قضيته ؛ حب وطن لا تُبصِر عينه منه إلا مَحاسنه، و لا يقف منه إلا على عَذباته، و مكارمه، كقضية حب أعمى… ؛ فلقد قال الشاعر الكبير و الأديب الإكسير نِزار قَباني :

احتَضِنّي و لا تُناقِش جُنوني ** ذُروَةُ العقلِ يا حبيبي الجنونُ

أَهْيَ مجنونةٌ بشوقي لها ** هذه الشامُ أَمْ أنَا المجنونُ

ٱهٍ يا شامُ كَيْفَ أشرَحُ ماربي ** و أنا فِيكِ دائمًا مَسكونُ.

فاللهم وفق وُلاةَ أمورنا : لِمَا تُحِب و تَرضى، و خُذ بِناصِيَّتهم إلى البِرِ و التقوى.

و ارزُقهم البِطانة الصالحة، التي تُعِينُهمُ، على مَصالح العِبادِ، و البلاد ؛ بِما يَنفَعُ الناسَ، و يُذهِب البُؤسَ، و البَأسَ، و يَمكُث في الأرض ؛ اللهم ٱمين يا رب العالمين.

و السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته.

بِقَلَم المُواطِنُ البَسِيط : محمد سعيد بن باب أحمد ابن الشيخ المُصطَف وَلَد العَرَبِي و لا فَخرَ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى