إبداع متصاعد عند أبو مدين ولد اباته.. علي بين السيرة والقصيدة “فيديو”

يطل الإبداع عند الأديب والشاعر أبو مدين ولد اباته هذه المرة بوجه متجدد، لا يكتفي بتزيين المعنى بل يعيد بعثه في هيئة أصفى وأشد رسوخا، كأن الكلمة عنده لا تقال بل تستخرج من معدنها الأصيل بعد طول تأمل وصقل. فهو لا يكتب مدحا عابرا، بل يشيد بناء لغويا تتعانق فيه العاطفة مع المعرفة، ويستند فيه الخيال إلى تاريخ مشرق، فتغدو القصيدة مساحة يلتقي فيها الأدب بالسيرة، والوجدان بالحقيقة.

ومن هذا الأفق الرحب ينهض نصه في مدح الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لا بوصفه شخصية تاريخية فحسب، بل بوصفه رمزا متكاملا للبطولة والوفاء والعلم. تتدرج الأبيات في نفس متماسك، تبدأ بالنداء الذي يحمل في طياته إجلالا صادقا، ثم تمضي في رسم ملامح تلك القامة الفريدة التي اجتمع لها شرف النسب وقوة الموقف ونقاء السريرة. وحين يقول الشاعر “يا ابن عم المصطفى” فهو لا يستدعي القرابة فقط، بل يستحضر بيئة النبوة التي تشكلت فيها شخصية علي، ذلك الفتى الذي نشأ في كنف الرسالة، وتفتح وعيه على نورها منذ نعومة أظفاره.

ويزداد البناء الشعري تماسكا حين ينتقل إلى مشاهد البطولة، فيستحضر عليا في ميادين القتال أسدا جسورا، لا يتقدم خطوة إلا وفيها معنى التضحية، ولا يرفع سيفه إلا دفاعا عن مبدأ. غير أن الشاعر لا يقف عند حدود الشجاعة الظاهرة، بل ينفذ إلى جوهر الموقف الأخلاقي، فيستحضر ليلة الهجرة، حيث بات علي في فراش النبي صلى الله عليه وسلم، في لحظة تختزل الإيمان كله: شجاعة لا تقاس بقوة الساعد، بل بثبات القلب حين يواجه المجهول مطمئنا إلى وعد الله.

ثم يتسع النص ليحتضن جانبا آخر من شخصية الإمام، جانب المحبة التي خصه بها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي محبة لا تذكر على سبيل العاطفة العابرة، بل باعتبارها ميزانا للرفعة وسبيلا للمعالي. فمحبة النبي لعلي ليست وصفا عاطفيا، بل شهادة تاريخية على مكانته، وعلى ما اجتمع فيه من خصال جعلته قريبا من قلب الرسالة وعقلها.

ويبلغ النص ذروته حين يتحول المدح إلى موقف، فيعلن الشاعر ولاءه لآل البيت إعلانا واضحا، لا لبس فيه ولا مواربة، فيتجاوز حدود الوصف إلى فضاء الانتماء. وهنا يتجلى انسجام القصيدة، إذ لا تنفصل نهايتها عن بدايتها، بل تعود لتؤكد أن هذا الثناء لم يكن مجرد بناء لفظي، بل تعبير عن قناعة راسخة، وعن رؤية ترى في علي نموذجا يحتذى، لا صفحة تروى.

وفي هذا التماسك بين الفكرة والصياغة، وبين التاريخ والشعور، تتجلى قيمة الإبداع المتجدد عند الشاعر؛ إذ لا يكرر المعاني المألوفة، بل يعيد تقديمها بروح جديدة، تشعر القارئ أنه أمام نص حي، ينبض بالصدق قبل البلاغة، ويستمد قوته من انسجامه الداخلي قبل زخرفه الخارجي. هكذا يبرهن أبو مدين ولد اباته أن الكلمة حين تصدر عن وعي عميق، فإنها لا تقرأ فقط، بل تحس، وتبقى. ويكتمل هذا الأثر حين تنتقل القصيدة من حيز القراءة إلى فضاء الأداء الصوتي، حيث يمكن الاستماع إليها بصوت أحد المنشدين المبدعين عبر قناة الحدث ميديا على منصة YouTube، في تجربة تضيف بعدا سمعيا يضاعف من حضور النص ويمنحه حياة أخرى بين المتلقين.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى