حين تصنع القيم إنسانًا…سيرة رجل بين اليُتم والريادة

في زمنٍ تتعاظم فيه التحديات وتتشابك مسارات الحياة، تبرز نماذج إنسانية استثنائية تؤكد أن الإرادة الصلبة قادرة على إعادة تشكيل المصير، وأن الإنسان لا يُقاس ببداياته، بل بما يصنعه من تلك البدايات. ومن بين هذه النماذج، تلوح سيرة “أبي نزار” بوصفها قصة كفاح صادق، وتجربة حياة تستحق التأمل والاقتداء.
وُلد أبو نزار في ظروف لم تكن سهلة؛ إذ فقد والده في سن مبكرة، ليجد نفسه في مواجهة مسؤوليات الحياة إلى جانب والدته وشقيقتيه. كانت تلك المرحلة اختبارًا قاسيًا، غير أن والدته أدت دورًا محوريًا في ترسيخ القيم وبناء الشخصية، فغرسَت في نفوسهم معاني الصبر، والانضباط، والاعتماد على النفس. لم تكن تربية عابرة، بل كانت تأسيسًا عميقًا لإنسانٍ سيقف لاحقًا بثبات أمام تقلبات الحياة.
ومع مرور السنوات، اشتد عود أبي نزار، وبدأ يشق طريقه بنفسه، دون انتظار دعمٍ أو اتكاءٍ على أحد. خاض تجارب مهنية متعددة، كثير منها كان شاقًا ومرهقًا، لكنه تعامل معها باعتبارها محطات تعلّم لا عوائق. ومن خلال هذا الإصرار المتواصل، استطاع أن يرتقي تدريجيًا حتى بلغ موقعًا إداريًا مهمًا، متوليًا إدارة أحد الأقسام الحيوية في مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض، في إنجاز يعكس مزيجًا من الكفاءة والانضباط والخبرة المتراكمة.
غير أن ما يميز هذه السيرة ليس النجاح المهني فحسب، بل ذلك التوازن النادر بين المكانة والتواضع. فقد ظل أبو نزار محتفظًا ببساطته، وهيبته الهادئة، وحضوره المؤثر بين من حوله. عُرف برجاحة عقله، وصواب رأيه، وقدرته على الإصغاء والتوجيه، كما امتدت يده بالعطاء للآخرين دون انتظار مقابل، مدفوعًا بقيم أصيلة وشعور عميق بالمسؤولية الاجتماعية.
وعلى الرغم من بلوغه سن الستين، لم ينحسر عطاؤه، بل ازداد إشراقًا ونضجًا. استثمر وقته في خدمة أسرته، والوقوف إلى جانب أقاربه، وتقديم الدعم لكل من احتاج إليه، في صورة تعكس روحًا لا تعرف التقاعد عن الخير، ولا تتراجع أمام متطلبات الحياة.
وفي موقف إنساني بالغ التأثير، التقيت أبا نزار عقب فقده لشقيقته — رحمها الله — وهي من المشهود لهن بالصلاح. كان الحزن حاضرًا بثقله، لكن الثبات كان أعمق حضورًا. بدا متماسكًا، مؤمنًا بقضاء الله وقدره، محتسبًا الأجر، في مشهد يجسد حقيقة الإيمان حين يتحول إلى سلوك، لا مجرد كلمات.
إن سيرة أبي نزار ليست مجرد حكاية فردية، بل درس حي في معنى الصبر، وقوة الثبات، وقيمة العمل الصادق. إنها تذكير بأن القيم الراسخة قادرة على أن تصنع من الإنسان نموذجًا يُحتذى، وأن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تُقاس بالمناصب، بل التي تتحقق في بناء الذات وخدمة الآن.
بقلم : مرزوق بن علي الزهراني




