حين تُرفع أوراق القضية إلى محكمة السماء

ليس كل من توقف عن المطالبة بحقه كان ضعيفا، ولا كل من أغلق باب الخصومة كان عاجزا عن الاستمرار، فأحيانا يبلغ الإنسان مرحلة من الإرهاق النفسي والروحي يجعله على يقين أن بعض المعارك، مهما امتلك فيها من أدلة وبراهين، تستنزف عمره أكثر مما تعيد إليه حقه. وعند هذه اللحظة، يختار أن يترك القضية كلها بين يدي الله، لا هروبا من العدالة، بل ثقة بعدالة لا يشوبها نقص، ولا تؤخرها المواعيد، ولا تؤثر فيها المرافعات الكاذبة.

ومن هذا المنطلق، فإن أكثر ما يتعب المظلوم ليس ضياع الحق وحده، بل طول الطريق إليه. فالمحاكم، رغم ضرورتها، قد تتحول في بعض التجارب إلى ميادين استنزاف للعمر والهدوء والصحة النفسية. تتكرر الجلسات، وتتراكم المذكرات، وتستهلك الأعصاب في الردود والتفنيد، بينما القلب يذبل شيئا فشيئا من فرط الانتظار. وحين تحفى الأقدام من التردد على قاعات التقاضي، وتجف الأقلام من تحرير صحائف الدعوى، يدرك الإنسان أن هناك خسائر لا تعوضها حتى الأحكام المنصفة.

وفي إطار هذا الإرهاق الممتد، قد يبدو الانسحاب في أعين الناس هزيمة، لكنه في ميزان النفس المتعبة نجاة. فسلامة الروح وراحة القلب صنوان لا يفترقان، وليس من العقل أن يظل الإنسان مطاردا لخصومة أفسدت عليه راحته وأكلت من عمره وأدخلته في دوائر لا تنتهي من القلق والتوتر. وهنا تأتي لحظة النضج الداخلي التي يقول فيها المرء لنفسه: لقد فعلت ما أستطيع، وما عجزت عنه الأرض فلن يعجز عنه رب السماء.

ومن جهة أخرى، فإن الإيمان بعدالة الله يمنح المظلوم نوعا مختلفا من الطمأنينة. فمحاكم الدنيا قد تخطئ أو تتأخر أو تعجز عن الوصول إلى النيات الخفية، أما محكمة السماء فلا تضيع فيها التفاصيل الصغيرة، ولا تختلط فيها الأوراق، ولا ينجو فيها ظالم ببلاغته أو نفوذه أو مراوغته. هناك فقط تكشف السرائر كما هي، ويقف الجميع متجردين من الأقنعة والمناصب والحجج المصنوعة.

وفي هذا السياق بالذات، ولعل من أشد ما يرهق النفس أن يخاصم الإنسان من تلبست خصومته بسوء النية. فصاحب النية الفاسدة لا يسعى إلى إنصاف، بل إلى استنزاف، ولا يهدف إلى إنهاء نزاع، بل إلى إطالته. وعندها تتحول المواجهة إلى عبء ثقيل يستهلك الطمأنينة قبل أن يمس أصل الحق، وتصبح الاستمرارية في هذا الطريق نوعا من العناء الذي لا يورث إلا مزيدا من الإرهاق.

وانطلاقا من هذا الفهم، فإن الراحة النفسية ليست رفاهية، بل ضرورة لبقاء الإنسان متوازنا. ومن حق المرء أن يرفق بنفسه حين تتكاثر عليه الضغوط، وأن ينسحب من ساحات أرهقته حتى لو كان محقا. فالحياة أقصر من أن تهدر كلها في مطاردة من لا يملكون ضميرا حيا، وأثمن من أن تتحول إلى ملف قضية لا يغلق.

وتأسيسا على ما سبق، لا يعني رفع القضية إلى السماء التخلي عن الحق، بل الإيمان بأن لله موازين أدق من موازين البشر. هناك عدالة لا تحتاج إلى شهود مزيفين، ولا إلى مذكرات مطولة، ولا إلى جلسات مؤجلة. هناك فقط يأخذ كل ذي حق حقه كاملا، ويعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

بقلم : مرزوق بن علي الزهراني

مرزوق بن علي الزهراني 🇸🇦

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى