عندما يتحول النجاح إلى اختبار للإنصاف.. محمد زين العابدين ولد الشيخ أحمد نموذجا

في زمن تتقاطع فيه رهانات الاقتصاد مع اختبارات العدالة الاجتماعية، يبرز اسم محمد زين العابدين ولد الشيخ أحمد بوصفه حالة لافتة في المشهد الموريتاني؛ ليس فقط كرئيس للاتحاد الوطني لأرباب العمل، بل كنموذج لرجل أعاد تعريف العلاقة بين رأس المال والإنسان. فالرجل الذي راكم نجاحاته في ميادين الاستثمار والبناء، اختار أن يجعل من تلك النجاحات منصة لإسناد الفئات الهشة، ومختبرا عمليا لفكرة أن الاقتصاد، حين يدار بضمير، يتحول من أرقام صماء إلى حياة تصان وكرامة تستعاد.

لم يكن صعوده في عالم الأعمال مجرد قصة توسع مالي، بل مسارا موازيا لبناء الثقة العامة. فمن خلال مشاريع كبرى في البنية التحتية، من جسور وأسواق ومبان سيادية ومرافق تعليمية، أسهم في تحريك عجلة الاقتصاد الوطني، وخلق ديناميكية إنتاجية أعادت الاعتبار لدور القطاع الخاص كشريك تنموي لا كمجرد فاعل ربحي. لقد تحولت هذه المشاريع، وفق منطق الأعمال، إلى استثمارات ذات عائد مزدوج: عائد اقتصادي مباشر، وآخر اجتماعي يعزز الاستقرار ويغذي الثقة بين الدولة والمجتمع.

غير أن الوجه الأكثر إشراقا في تجربته يتجلى في انحيازه الصريح للبعد الإنساني. فتمويله لمؤسسات صحية مجانية، وفي مقدمتها مستشفيات “الرضوان”، لم يكن عملا موسميا، بل رؤية متكاملة تعتبر العلاج حقا أصيلا لا امتيازا طبقيا. عشرات الآلاف من المرضى وجدوا في هذه المرافق ملاذا من قسوة المرض وكلفة العلاج، فيما شكل إدخال تخصصات دقيقة، خاصة في طب وجراحة العيون، نقلة نوعية في تقريب الخدمة الطبية من المواطن البسيط، ومنح الأمل لمن كانوا يرون في المرض حكما نهائيا لا رجعة فيه.

ويمتد هذا الأثر إلى مساحات أوسع من التضامن الاجتماعي؛ من التوزيعات الغذائية والنقدية في المواسم الحرجة، إلى توفير المياه في فترات العطش، ومن كسوة الشتاء إلى تمكين الأسر الهشة من مساكن تحفظ إنسانيتها. هذه التدخلات، التي كثيرا ما تدار بعيدا عن الأضواء، تعكس فلسفة عمل ترى في العطاء التزاما أخلاقيا لا مادة للاستعراض، واستثمارا طويل الأمد في استقرار المجتمع وتماسكه.

وعلى مستوى إدارة الشأن الاقتصادي، لعب الرجل دورا محوريا في ترسيخ شراكة عملية بين اتحاد أرباب العمل والحكومة، واضعا المؤسسة في قلب القرار الاقتصادي، لا على هامشه. وقد ترجمت هذه المقاربة في مبادرات تهدف إلى ضبط الأسواق، والتخفيف من وطأة الغلاء، وضمان وصول المواد الأساسية إلى المواطن بأسعار معقولة، في سياق دولي يتسم بالتقلب وارتفاع التكاليف. كما أسهمت تدخلاته في معالجة أزمات مالية معقدة، مؤكدا أن القيادة الاقتصادية ليست مجرد إدارة مصالح، بل قدرة على امتصاص الصدمات وصون الاستقرار.

ورغم هذا الرصيد المتنوع من الإنجاز، لم يسلم الرجل من حملات التشويه التي طالت سمعته، في مفارقة تكاد تلازم كل تجربة ناجحة في بيئات تنافسية. غير أن اللافت لم يكن وجود النقد في حد ذاته، بل الطريقة التي واجهه بها؛ بثبات يشبه صمت الجبال، وبمواصلة العمل دون انزلاق إلى معارك جانبية تستنزف الجهد وتشتت الأولويات. لقد اختار أن يكون رده في الميدان، حيث تقاس النوايا بالنتائج، لا في ضجيج الخطاب.

وأقولها بوضوح: لست ممن يتخذون من المديح مهنة، ولا ممن يوزعون شهادات التقدير جزافا، لكن حين أرى ما يستحق، وأشعر أن الصمت فيه جور، أتكلم. فهذا الرجل، رغم ما حقق من إنجازات في عمله التجاري والإنساني، لم يسلم من أصوات لا هم لها سوى النقد من أجل النقد، وركوب موجة “الترند” ولو على حساب الحقيقة. وهنا يصبح الإنصاف واجبا لا خيارا؛ فمن أراد أن يطعن، فليأت بنصف ما قدم، أو ليحفظ للجهد وزنه، وللعطاء مكانته. فالتاريخ لا يخلد الضجيج، بل يكتب بهدوء أسماء أولئك الذين يتركون أثرا حقيقيا في حياة الناس… أثر يبقى، ويشهد، ويصعب محوه.

محمد سالم المختار الشيخ/نواكشوط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى