إلى نتنياهو وسموتريتش وبن غفير: الاحتلال إلى زوال مهما طال

هناك لحظات في التاريخ لا يعود فيها الصراع مجرد نزاع سياسي على حدود أو مصالح أو نفوذ، بل يتحول إلى مواجهة بين منطقين متناقضين: منطق يؤمن أن الإنسان يمكن سحقه بالدبابة والجوع والنار حتى يتخلى عن حقه، ومنطق آخر يؤمن أن الحق لا يسقط مهما طال عليه الزمن، وأن الأرض لا تنسى أصحابها ولو تعاقبت فوقها الجيوش والإمبراطوريات. وما يحدث اليوم في فلسطين ليس استثناء من هذه القاعدة، بل هو واحد من أوضح تجلياتها في العصر الحديث. فالمشهد لم يعد يحتاج إلى كثير شرح؛ شعب يقتل ويهجر وتقصف مدنه ويحاصر أطفاله وتنتهك مقدساته، وفي المقابل يقف عالم كامل مترددا بين العجز والتواطؤ والصمت. ومع ذلك، يخرج قادة الاحتلال، وفي مقدمتهم الثلاثي المتطرف نتنياهو وسموتريتش وبن غفير، بخطاب متخم بالغطرسة، وكأن القوة العسكرية قادرة على إعادة كتابة قوانين التاريخ، أو كأن المجازر تستطيع تحويل الباطل إلى حق دائم.

إن أخطر ما في هذا الثلاثي ليس فقط تطرفه السياسي، بل القناعة العميقة التي تحكم سلوكه، وهي أن الفلسطيني يمكن كسره بالكامل إذا مورس عليه ما يكفي من الرعب والقوة. هذه العقلية ليست جديدة في التاريخ؛ إنها العقلية نفسها التي سكنت عقول كل الأنظمة العنصرية والاستعمارية التي اعتقدت أن الإنسان يفقد حقه إذا حوصر طويلا، وأن الشعوب يمكن أن تعاد برمجتها بالقهر المستمر. ولهذا فإن ما يجري من تهجير للفلسطينيين، ومن تدمير للمدن، ومن قتل للمدنيين والأطفال والنساء، ومن تحويل الحياة اليومية إلى جحيم دائم، ليس مجرد “أخطاء حرب” كما يحاول الإعلام الغربي أحيانا تصويرها، بل هو جزء من مشروع كامل يريد اقتلاع الإنسان الفلسطيني نفسيا وتاريخيا قبل اقتلاعه جغرافيا. غير أن المشكلة الكبرى التي لا يفهمها المحتل أن الشعوب لا تقاس فقط بقدرتها العسكرية، بل بقدرتها على الصمود الطويل، وبقدرتها على تحويل الألم إلى ذاكرة جمعية مقاومة لا تموت.

ولذلك فإن القاعدة التي يتجاهلها قادة الاحتلال، أو يحاولون الهروب منها، هي أن كل مشروع يقوم على الظلم يحمل في داخله بذور سقوطه منذ اللحظة الأولى. فالتاريخ لا يحاكم الدول بعدد طائراتها، بل يحاكمها بالأساس الأخلاقي الذي قامت عليه. ولهذا بقيت عبارة “ما بني على باطل فهو باطل” أكثر من مجرد قاعدة فقهية أو قانونية؛ إنها خلاصة التجربة البشرية كلها. فما ينتزع بالقوة يبقى محتاجا إلى مزيد من القوة لحمايته، وما يقام على الخوف يحتاج دائما إلى مزيد من الرعب ليستمر، ولهذا تتحول الأنظمة القائمة على الظلم مع الوقت إلى كيانات مذعورة من الحقيقة أكثر من خوف خصومها منها. إن الكيان الذي يشعر أن وجوده طبيعي وعادل لا يحتاج إلى هذا الحجم من القتل، ولا إلى هذا القدر من الحصار، ولا إلى كل هذه الوحشية كي يقنع نفسه بالبقاء. أما حين يصبح الدم ضرورة يومية لاستمرار المشروع، فذلك دليل على هشاشته الداخلية مهما بدا متفوقا عسكريا.

لقد حاولت قوى كبرى عبر التاريخ أن تقنع العالم بأن القوة تصنع الشرعية، لكن التاريخ كان دائما أكثر قسوة على المتكبرين. فالولايات المتحدة دخلت فيتنام وهي تمتلك ما يشبه السيطرة المطلقة على ميزان القوة العالمي، وكانت تتصور أن شعبا فقيرا محاصرا لا يمكنه الصمود أمام آلة الحرب الأمريكية، لكن النتيجة النهائية كانت هزيمة سياسية وأخلاقية وعسكرية هزت صورة القوة الأمريكية نفسها. والمشهد تكرر لاحقا في أفغانستان والعراق والصومال، حيث اكتشفت القوة الأعظم في العالم أن التكنولوجيا العسكرية لا تستطيع وحدها إخضاع الشعوب إلى الأبد. لأن الإنسان حين يشعر أن وجوده نفسه مستهدف، يتحول إلى قوة معنوية يصعب كسرها مهما اختل ميزان السلاح.

والأمر ذاته ينطبق على كل المشاريع العنصرية التي مرت عبر التاريخ. فهتلر لم يكن مجرد حاكم متعطش للحرب، بل كان صاحب عقيدة قائمة على التفوق العرقي واحتقار الآخرين، وهي الفكرة نفسها التي تتسلل اليوم إلى خطاب اليمين الإسرائيلي المتطرف حين ينظر إلى الفلسطيني باعتباره مجرد عقبة ديموغرافية يجب التخلص منها أو إخضاعها. لقد ظن هتلر أن السيطرة العسكرية الهائلة قادرة على فرض رؤيته على العالم، وتمدد بالفعل في مساحات واسعة من أوروبا حتى بدا للكثيرين أنه قوة لا تهزم، لكن النهاية كانت سقوطا مدويا، لأن أي مشروع يقوم على الكراهية والعنصرية يحمل عوامل انهياره الأخلاقي والسياسي في داخله منذ البداية. فالقوة قد تمنح صاحبها القدرة على التخويف، لكنها لا تمنحه القدرة على صناعة حق حقيقي، ولا على شراء احترام التاريخ.

ومن يتأمل حركة التاريخ يدرك أن الإمبراطوريات لا تسقط عادة حين تضعف عسكريا فقط، بل حين تصل إلى مرحلة الغرور الكامل وتتوهم أنها فوق القوانين التي تحكم البشر جميعا. هكذا سقطت إمبراطوريات فارس والروم بعد أن ظنت أن العالم خلق لخدمتها، وهكذا انهار المغول رغم الرعب الذي زرعوه في الأرض، وهكذا تفكك الاتحاد السوفيتي رغم ترسانته النووية الهائلة، وهكذا تجد روسيا نفسها اليوم عالقة في حرب استنزاف طويلة في أوكرانيا رغم كل ما تملكه من قوة. فالتاريخ يكرر الدرس نفسه بلا توقف: لا توجد قوة مطلقة، ولا يوجد احتلال خالد، ولا توجد إمبراطورية نجحت في هزيمة الزمن إلى الأبد.

أما الخطأ الأكبر الذي يقع فيه الاحتلال اليوم فهو اعتقاده أن الدعم الأمريكي غير المحدود يمكن أن يمنحه حصانة دائمة من السقوط. صحيح أن الولايات المتحدة توفر لإسرائيل الغطاء السياسي والعسكري والإعلامي، وصحيح أن ميزان القوة الحالي يميل بشكل هائل لصالح الاحتلال، لكن التاريخ يعلمنا أن التحالفات الدولية نفسها متغيرة، وأن المصالح لا تعرف صديقا دائما. فكم من أنظمة كانت تبدو محمية بالكامل من القوى العظمى، ثم اكتشفت في لحظة معينة أنها مجرد ورقة قابلة للاستبدال. إن الرهان على القوة الخارجية وحدها لا يصنع مستقبلا مستقرا، لأن الاستقرار الحقيقي لا يقوم إلا على العدالة، وكل مشروع يتجاهل هذه الحقيقة يظل يعيش في حالة خوف دائم مهما امتلك من أسلحة وجدران وحصون.

إن الفلسطيني اليوم لا يقاتل فقط من أجل قطعة أرض، بل من أجل حقه في أن يبقى إنسانا طبيعيا على أرضه. ولهذا فإن كل المجازر التي ترتكب لن تنجح في إنهاء القضية كما يتوهم البعض، بل ستجعلها أعمق حضورا في الوعي الإنساني. فالشعوب قد تهزم عسكريا في مرحلة ما، لكنها لا تهزم حضاريا وأخلاقيا ما دامت متمسكة بحقها. والتاريخ مليء بشعوب تعرضت لاحتلالات طويلة ثم استعادت حريتها في النهاية، لأن الاحتلال مهما طال يبقى حالة طارئة، بينما يبقى ارتباط الإنسان بأرضه وتاريخه هو الحقيقة الأعمق والأبقى.

ولهذا فإن كل ما يفعله الاحتلال اليوم، من تهجير وقصف وتجويع وتغيير للوقائع على الأرض، لن يغير الحقيقة الأساسية: أن فلسطين ليست أرضا بلا أصحاب، وأن المسجد الأقصى سيبقى رمزا دينيا وتاريخيا وحضاريا لا يمكن محوه بالقوة. قد تتأخر العدالة، وقد يدفع الأبرياء أثمانا باهظة قبل أن تتحقق، لكن حركة التاريخ نفسها تؤكد أن الظلم لا يستطيع الاستمرار إلى الأبد، وأن الدماء التي تسفك ظلما تتحول مع الوقت إلى لعنة تطارد أصحابها سياسيا وأخلاقيا وتاريخيا.

وفي النهاية، سيأتي اليوم الذي يدرك فيه الجميع أن كل هذه الوحشية لم تستطع أن تصنع سلاما، ولا أن تمنح الاحتلال شرعية حقيقية، ولا أن تنهي شعبا قرر أن يتمسك بحقه مهما بلغت التضحيات. وعندها ستعود الحقيقة لتقف عارية وواضحة أمام العالم كله: أن القوة وحدها لا تبني مستقبلا، وأن الإرهاب مهما لبس ثياب الدولة يبقى إرهابا، وأن كل مشروع تأسس على القتل والاقتلاع والعنصرية لا بد أن يواجه المصير نفسه الذي واجهته كل مشاريع الظلم عبر التاريخ.

فما بني على باطل… يظل باطلا، مهما طال الزمن.

محمد سالم المختار الشيخ /موريتانيا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى