استهداف قبلة المسلمين.. جريمة تكشف وجه المليشيات الطائفية في العراق

في اللحظات التي تتجه فيها قلوب المسلمين إلى مكة المكرمة، وتتعالى فيها أصوات التلبية من مشارق الأرض ومغاربها، يظهر من جديد وجه الطائفية القبيح، محملا بخطاب الفوضى والكراهية، عبر هجوم غادر نسب إلى بعض المليشيات العراقية الخارجة عن منطق الدولة والدين والإنسانية، مستهدفا المملكة العربية السعودية في توقيت بالغ الحساسية، مع دخول أيام ذي الحجة وتوافد ملايين الحجاج والمعتمرين لأداء الركن الخامس من أركان الإسلام.
إن استهداف المملكة في هذا الظرف العظيم لا يمكن قراءته كحادث عابر أو مجرد تصعيد عسكري، بل هو اعتداء على قدسية الزمان والمكان، ومحاولة لزعزعة الأمن في لحظة تتجه فيها أنظار المسلمين إلى قبلة الإسلام، حيث الحرمين الشريفين، ومهوى أفئدة المؤمنين من كل بقاع الأرض. فكيف يستساغ عقلا أو دينا أن توجه أدوات العنف نحو أرض جعلها الله ملتقى للعبادة والسلام، ومقصدا لملايين القادمين من كل جنس ولون ومذهب؟
هذا السلوك يكشف بوضوح أن تلك المليشيات تتحرك خارج أي منطق للدولة أو المسؤولية، وتغذيها عقيدة مأزومة لا ترى في الاستقرار إلا عدوا، ولا في وحدة الأمة إلا تهديدا. وهو نهج لا يمت إلى جوهر الإسلام الذي يقوم على الرحمة وصون الدماء، بقدر ما ينزلق إلى توظيف العنف في مشاريع سياسية ضيقة تثقل كاهل المنطقة بمزيد من التوتر.
ومن هنا، تبرز مسؤولية السلطات العراقية في التحرك الجاد والحاسم لضبط هذه الجماعات، ومنع تحول أراضي الدولة إلى منصات تهديد لدول الجوار. فاستمرار الصمت أو التراخي في التعامل مع هذه الممارسات يضعف هيبة الدولة، ويفتح الباب أمام مزيد من الانزلاق نحو الفوضى الإقليمية، وهو ما لا يخدم العراق ولا استقراره الداخلي.
كما أن على الولايات المتحدة، بصفتها شريكا رئيسيا في أمن المنطقة، أن تنتقل من دائرة البيانات الدبلوماسية إلى خطوات عملية أكثر وضوحا في ردع هذه التهديدات. فاستقرار المنطقة لا يدار بالشعارات أو التفاعلات الإعلامية، بل بإجراءات تضمن حماية الأمن الجماعي وتمنع تكرار مثل هذه الهجمات.
وفي المقابل، تثبت المملكة العربية السعودية مرة أخرى أنها تتعامل مع هذه التحديات بثنائية متوازنة: قوة رادعة وحكمة مسؤولة. فهي قادرة على حماية سيادتها وأمنها بكل كفاءة، لكنها في الوقت ذاته تدرك خطورة الانجرار إلى مسارات تصعيد غير محسوبة، في ظل محاولات مستمرة لاستدراجها إلى مواجهات لا تخدم استقرار المنطقة.
وتقف خلف هذه المعادلة قيادة راسخة تمثلها الدولة السعودية الحديثة، التي رسخت حضورها الإقليمي والدولي على أساس الاستقرار والتنمية، مع شعب يلتف حول وطنه في مختلف الظروف والتحديات.
لقد كانت المملكة، وما تزال، ركنا أساسيا في منظومة العالمين العربي والإسلامي، من خلال دورها في خدمة الحرمين الشريفين، ومبادراتها الإنسانية والإغاثية، وإسهاماتها الاقتصادية في استقرار أسواق الطاقة، ودعمها لعدد من الدول الشقيقة في أوقات الأزمات، إلى جانب مواقفها السياسية تجاه قضايا الأمة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
ومن هنا، فإن التضامن مع المملكة اليوم ليس موقفا عاطفيا، بل التزام سياسي وأخلاقي تجاه دولة تمثل ثقلا محوريا في استقرار المنطقة والعالم الإسلامي. وقد عبرت دول عدة، من بينها باكستان، عن مواقف داعمة تعكس أهمية الاصطفاف أمام التهديدات التي تستهدف أمن المنطقة.
وفي السياق ذاته، أكدت القوات المسلحة السعودية جاهزيتها العالية في التعامل مع أي تهديد، حيث أعلن المتحدث باسم وزارة الدفاع اللواء الركن تركي المالكي نجاح قوات الدفاع الجوي في اعتراض وتدمير ثلاث طائرات مسيرة اخترقت المجال الجوي السعودي قادمة من الاتجاه العراقي، في تأكيد جديد على كفاءة المنظومة الدفاعية للمملكة.
واختتم هذا التطور برسالة واضحة مفادها أن أمن المملكة ليس مجالاً للاختبار، وأن الردع قائم، وأن أي محاولة للمساس بسيادتها ستواجه بالإجراءات المناسبة في الوقت والمكان الذي تحدده القيادة المختصة.
وفي المحصلة، تبقى السعودية دولة قادرة على حماية أمنها، ومتمسكة بدورها الاستراتيجي في تحقيق الاستقرار، فيما تتكسر على حدودها محاولات الاستهداف، وتفشل مشاريع الفوضى مهما تغيرت أدواتها أو تعددت وجوهها.
محمد سالم المختار الشيخ / موريتانيا




