غزة… الجرح العميق الذي يختبر ضمير العالم

في لحظات التاريخ الكبرى، يتكشّف المعنى الحقيقي للإنسانية: هل هي قيم راسخة تُترجم إلى فعل، أم شعارات معلّقة في الهواء تُرفع عند الرخاء وتُدفن عند المحن؟ اليوم، غزة ليست مجرد مدينة محاصرة، بل مرآة كبرى تعكس صورتنا جميعًا؛ كأمة وكبشر. هناك، حيث يلتقي الموت بالجوع، وحيث تتناوب القنابل والمجاعة على حصد الأرواح، يصبح السؤال أكبر من حدود المكان: ما الذي تبقّى من الضمير الإنساني؟

لقد رتّب نتنياهو لغزة موعداً بين قاتلين: قنابل تنهال من السماء، وجوع يزحف من الأرض. لم يترك لهذه الأرض مجالًا للحياة، بل جعلها رهينة بين نارين: الموت السريع تحت الركام، أو الموت البطيء في حصار الخبز والماء. وحشية بهذا القدر لا يمكن مقارنتها حتى بقسوة الطبيعة؛ فالجفاف والتصحّر قد يسرقان الخبز، لكنهما لا يقصفان المستشفيات ولا يدفنان الأطفال تحت منازلهم. إنها وحشية من نوع آخر، وحشية تُدار بوعي وقرار وتخطيط، وحشية تُغسَل على مسرح السياسة بعبارات التزييف والخداع.

ومشهد العبث يزداد قتامة حين يقف ترامب ليصف نتنياهو بـ”بطل حرب”، بينما يردّ الأخير بوصف ترامب بـ”بطل سلام”، ويرشحه لجائزة نوبل! أي عبث أخلاقي أشد مرارة من هذا؟ أطفال غزة يواجهون المجاعة والإبادة، بينما يتبادل القتلة أوسمة البطولة وكأن دماء الأبرياء وقودٌ لمسرحية عالمية بائسة. هذه ليست سياسة، بل سقوط تام للقيم، وإعلان فجّ بأن القوة صارت فوق العدالة، وأن الدم يمكن أن يُمحى بالتصفيق والكاميرات.

لكن هل يكفي أن نصف ونغضب؟ إن جوهر السؤال أعمق: ماذا يعني أن نصمت؟ لقد قال كانط: “إن الشر ينتصر حين يصمت الأخيار.” واليوم، هذا الصمت ليس حيادًا، بل مشاركة فعلية في الجريمة. من لا يردع القاتل، يمنحه شرعية للاستمرار. ومن يساوم على فلسطين، يضعف حصونه هو قبل أن يضعف حصونها، ويخسر نفسه قبل أن يخسر أرضه.

وغزة، رغم الجوع والدمار، ترفع صوتها بدمها، لتذكّر الأمة بما قاله روسو: “الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع.” هي لا تقاتل فقط من أجل الخبز والماء، بل من أجل أن تبقى الحرية ممكنة، أن يبقى الحق قابلاً للدفاع، أن يبقى للكرامة معنى في هذا العالم. إن كل طفل يُنتشل من تحت الأنقاض ليس مجرد ناجٍ، بل شاهد على أن الحق لا يموت مهما تكالبت عليه الأمم.

إن وحشية نتنياهو ليست مجرد فعل سياسي عابر، بل مشروع اقتلاع وجودي يختبر حدود صبر العالم. ومع كل قذيفة، ومع كل صرخة أم تبحث عن طفلها بين الركام، تتقلّص مساحة الحياد حتى تنعدم. فإما أن نواجه هذا الشرّ مواجهة حقيقية، أو نتركه يتمدّد ليبتلعنا جميعًا.

غزة اليوم ليست جغرافيا محاصرة، بل اختبار شامل لمدى صدق القيم التي يرفعها العالم: هل العدالة قوة حقيقية أم مجرد شعارات؟ هل حقوق الإنسان عالمية فعلًا أم أنها أوراق انتخابية تُستخدم وقت الحاجة؟ إن التاريخ يُكتب الآن، ومن لم ينطق بالحق اليوم سيجد نفسه غدًا واقفًا في صف المتواطئين، مهما حاول أن يجمّل صمته.

غزة تصرخ للعالم: لسنا وحدنا. جراحنا جراحكم، وصمودنا امتحانكم. في صمود غزة حياة للأمل، وفي خذلانها بداية النهاية. فمن يقف اليوم متفرجًا، غدًا سيكون الضحية التالية.

والسؤال يظلّ معلّقًا في وجه العالم: أيّ إنسانية هذه التي تُصفّق للقتلة، وتشيّع الضحايا إلى المقابر في صمت؟ وأيّ تاريخ سيُكتَب إذا كان الضمير الإنساني قد مات أمام أعيننا؟

الاختيار واضح: إمّا أن نقف مع غزة، أو أن نخسر إنسانيتنا إلى الأبد.

بقلم: مرزوق بن علي الزهراني

بقلم: مرزوق بن علي الزهراني 🇸🇦

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى