محمد بن سلمان.. رجل المرحلة الذي أفشل رهانات الضغط الأمريكي

منذ أن صدر الأمر الملكي بتعيين محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود وليا للعهد بتاريخ الحادي والعشرين من يونيو/حزيران 2017 الموافق السادس والعشرين من رمضان 1438هـ، دخلت المملكة العربية السعودية مرحلة جديدة عنوانها الحزم، والرؤية، والقدرة على اتخاذ القرار دون تردد أو ارتباك. لم يكن الرجل مجرد مسؤول شاب صعد إلى واجهة المشهد السياسي، بل أثبت منذ اللحظة الأولى أنه قائد يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه، ومتى يتخذ القرار المناسب مهما كانت الضغوط أو التحديات.
لقد برهن الأمير محمد بن سلمان خلال سنوات قليلة أنه من العيار الثقيل سياسيا واقتصاديا وأمنيا، وأن المملكة في عهده لا تقاد بردود الأفعال، بل وفق مشروع دولة يمتلك رؤية واضحة للمستقبل. فإذا قال فعل، وإذا وعد أوفى، ولذلك تحولت المملكة إلى قوة إقليمية ودولية يحسب لها ألف حساب، ليس فقط بثقلها الاقتصادي الهائل، بل أيضا بقدرتها على فرض احترامها ومواقفها بثبات وثقة واقتدار.
ويقود ولي العهد السعودي البلاد بمنتهى المهنية والكفاءة، مدركا طبيعة التوازنات الدولية، ويعرف كيف يتعامل مع الصديق قبل الخصم، ومع المصالح قبل الشعارات. وقد ظهر ذلك بوضوح في موقف المملكة من ما يعرف بـ الاتفاقيات الإبراهيمية، وهي الاتفاقيات التي أُبرمت عام 2020 برعاية الولايات المتحدة بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، وشملت الإمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان والمغرب، بهدف تطبيع العلاقات الدبلوماسية وتعزيز التعاون الاقتصادي والأمني.
ورغم الضغوط الأمريكية المتواصلة، ورغم محاولات الإدارات الأمريكية المتعاقبة دفع المملكة نحو التطبيع، فإن الأمير محمد بن سلمان قال كلمته بوضوح لا يقبل التأويل: لا تطبيع مع إسرائيل قبل قيام الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. وحين يقول الأمير كلمته، فهو لا يطلق شعارات للاستهلاك الإعلامي، بل يعبر عن موقف دولة تعرف وزنها ومكانتها ومصالحها الاستراتيجية.
لقد حاول كل من جو بايدن ودونالد ترامب، وهما وجهان لسياسة أمريكية واحدة حين يتعلق الأمر بالدفاع عن إسرائيل، ممارسة مختلف أشكال الضغط والإغراء السياسي، لكنهما أدركا في النهاية أن المملكة العربية السعودية ليست دولة تؤخذ بالابتزاز أو الإملاءات، وأن قيادتها الحالية لا تساوم على ثوابتها ولا تقايض مصالحها الوطنية بأي اعتبارات أخرى.
وقد عرف الأمير محمد بن سلمان بالدهاء السياسي والحكمة والقدرة على قراءة المشهد الدولي بعمق، ما جعله مؤهلا لقيادة دولة بحجم المملكة العربية السعودية، الدولة التي تمضي اليوم بخطى ثابتة نحو ترسيخ مكانتها كقوة عالمية اقتصادية وسياسية وتنموية. فالمملكة لم تعد مجرد دولة نفطية كبرى، بل أصبحت لاعبا دوليا مؤثرا في ملفات الاقتصاد والطاقة والأمن والاستثمار والتكنولوجيا.
أما لغة التهديد والوعيد التي يطلقها بعض المتغطرسين في واشنطن أو غيرها، فهي لا تعكس إلا جهلا بحجم السعودية الحقيقي. فالسعودية ليست دولة هامشية يمكن إخضاعها بالتصريحات أو الضغوط الإعلامية، بل هي قلب العالم الإسلامي، وقبلة أكثر من ملياري مسلم، وشعبها وقيادتها يدركون جيدا كيف يحمون وطنهم وسيادتهم وقرارهم الوطني.
ومن يظن أن التهديد يمكن أن يخيف المملكة، فهو لم يقرأ التاريخ جيدا. فالقوة لا تقاس بالصراخ السياسي، بل بالقدرة على الصمود وصناعة القرار وحماية المصالح الوطنية. والسعودية تمتلك من الإمكانات المالية والعسكرية والبشرية ما يجعلها قادرة على الدفاع عن نفسها وعن استقرارها في مواجهة أي تهديد كان، كما أنها تمتلك قيادة تعرف متى تتحرك ومتى تصمت ومتى تحسم الأمر دون ضجيج.
إن بعض الأصوات المتطرفة في الولايات المتحدة ما تزال تعتقد أن العالم يدار بعقلية الهيمنة القديمة، لكنها تتجاهل أن الزمن تغير، وأن الدول الكبرى اليوم تبنى بالاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لا بالاستعلاء والتهديد. ومن يراجع تجارب حرب فيتنام والحرب في أفغانستان ومعركة مقديشو سيدرك أن لغة القوة وحدها لا تصنع النصر، وأن الشعوب والدول التي تعرف قيمتها لا تكسر بالضغوط.
وفي الختام، فإن الأمير محمد بن سلمان يقود المملكة العربية السعودية نحو مزيد من القوة والرخاء والهيبة الدولية، واضعا نصب عينيه بناء دولة عصرية قوية تحافظ على ثوابتها وتفرض احترامها في آن واحد. وقد قال كلمته في ملف الاتفاقيات الإبراهيمية وانتهى الأمر: لا تطبيع قبل قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. ذلك موقف دولة تعرف قدر نفسها، ويقوده رجل أثبت أن الحزم حين يقترن بالحكمة يصنع وطنا لا تهزه العواصف.
محمد سالم المختار الشيخ / موريتانيا




