بين اللاجئين والسلاح.. فاغنر تزرع الموت وموريتانيا تزرع الأمان

تعرف مجموعة فاغنر بتركيبتها المرتزقة التي تضم جنودا سابقين ومقاتلين بلا هوية، وتعمل خارج القانون الدولي، حيث تقدم خدماتها للحكومات أو الجهات التي تبحث عن “حلول سريعة” لأزماتها الأمنية، غالبا على حساب حياة المدنيين وحقوق الإنسان. في إفريقيا، مثلت فاغنر واجهة لمشاريع الهيمنة والنهب، مستخدمة العنف كوسيلة للسيطرة على الموارد الطبيعية وتثبيت النفوذ.
إرهاب منظم في مالي.. وفاغنر على الحدود
منذ دخول فاغنر إلى مالي، تصاعدت وتيرة الانتهاكات في مناطق واسعة من البلاد، خاصة في المناطق القريبة من الحدود الموريتانية. تقارير حقوقية متعددة وشهادات محلية تؤكد تورط عناصر فاغنر في ارتكاب مجازر جماعية، عمليات اغتصاب، تهجير قسري، وتعذيب ممنهج بحق السكان المدنيين، في مشهد يعيد إلى الأذهان أبشع صور الاستعمار والاحتلال، ولكن هذه المرة بصمت دولي مثير للريبة.
في بلدات قريبة من الحدود، كـ”مورا” و”غاو” ومناطق من إقليم موبتي، تحدث ناجون عن اقتحام القرى من قبل عناصر مدججة بالسلاح، تنفذ إعدامات ميدانية وتحرق البيوت وتزرع الرعب في نفوس السكان، ما دفع آلاف الماليين إلى الفرار بأرواحهم إلى مناطق أكثر أمانا.
موريتانيا.. حضن إنساني وسد أمني
ورغم ضراوة الأزمة، برزت موريتانيا بدور إنساني مشرف، حيث فتحت حدودها واستقبلت آلاف اللاجئين الماليين الهاربين من جحيم القتال والانتهاكات، ووفرت لهم الحد الأدنى من الأمان والمعيشة في ظروف صعبة.
في الوقت ذاته، تواصل القوات المسلحة الموريتانية دورها الوطني في حماية حدود البلاد الطويلة والمعقدة مع مالي، وسط بيئة أمنية مضطربة، حيث تتفشى التهديدات الإرهابية والأنشطة الإجرامية. ويؤكد مراقبون أن الأداء المتوازن للجيش الموريتاني في تأمين الحدود وحماية المدنيين داخل الوطن شكل عنصر استقرار حيوي في منطقة الساحل الملتهبة.
صرخة من أجل العدالة
إن ما يجري في مالي، وخاصة على مقربة من حدودنا، لا يمكن أن يفهم بمعزل عن صراع أوسع على النفوذ والمصالح. لكن وسط كل ذلك، هناك ضحايا مدنيون يقتلون بصمت، وقرى تباد دون تحقيق أو محاسبة، فقط لأن الجناة ليسوا في دائرة الضوء الدولي.
السكوت عن جرائم فاغنر ليس خيارا، تماما كما أن تجاهل معاناة سكان مالي الهاربين من الجحيم لا يليق بالقيم الإنسانية. ومثلما نقف مع ضحايا الاحتلال في فلسطين، علينا ألا نغض الطرف عن الإرهاب المرتزق في إفريقيا، وألا نترك هذا الصمت يتواطأ مع القتلة.
بقلم: محمد سالم المختار الشيخ




