بعد تصريحات السفير الفلسطيني.. السؤال الذي ينتظر جوابا: أين أموال غزة؟

منذ عقود، ظل الشعب الموريتاني حاضرا في مقدمة الشعوب العربية والإسلامية الداعمة للقضية الفلسطينية. ولم يكن ذلك مجرد شعارات أو مواقف عاطفية عابرة، بل ترجم دائما إلى مبادرات عملية وحملات تضامن واسعة وتبرعات سخية قدمها المواطنون من مختلف فئات المجتمع، إيمانا منهم بعدالة القضية الفلسطينية وواجب نصرة أهل غزة في محنتهم المستمرة.
ومع تصاعد المآسي التي شهدها قطاع غزة خلال السنوات الأخيرة، ازداد حجم التبرعات الشعبية في موريتانيا بشكل لافت، حيث هب المواطنون لمساعدة إخوانهم تحت وطأة الحصار والحرب والدمار. فتبرع الفقير بما استطاع، وفتح الميسور يده بما تيسر، وساهم الجميع بدافع ديني وأخلاقي وإنساني خالص، أملا في أن تصل تلك الأموال إلى الأسر المنكوبة والأطفال الجوعى والجرحى والمشردين.
غير أن الجدل الذي تفجر مؤخرا أعاد إلى الواجهة سؤالا خطيرا لا يمكن تجاهله. فقد أثارت تصريحات السفير الفلسطيني في نواكشوط صدمة واسعة عندما أكد في مقابلة تلفزيونية أن الأموال التي جمعت في موريتانيا لم تصل إلى غزة، وأن تحويلها إلى هناك ليس بالأمر السهل، بل يخضع لإجراءات معقدة ومسارات مصرفية محددة.وبمجرد صدور هذه التصريحات، بدأ سؤال ثقيل يتردد على ألسنة الناس وفي وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي: إذا كانت هذه الأموال لم تصل إلى غزة، فأين ذهبت إذن؟
إن طرح هذا السؤال لا يعني التشكيك في القضية الفلسطينية ولا التنكر لمعاناة أهل غزة، كما لا يمثل اتهاما مسبقا لأي جهة كانت، وإنما هو حق طبيعي ومشروع لكل مواطن موريتاني تبرع بجزء من ماله وهو يعتقد أن مساهمته ستصل إلى مستحقيها. فالأموال التي تجمع باسم المظلومين ليست ملكا للأفراد ولا للجمعيات ولا للوسطاء، وإنما هي أمانة يجب أن تكون خاضعة لأعلى درجات الشفافية والمساءلة.
وما يزيد من حساسية هذا الملف أن الأمر لا يتعلق بمبالغ محدودة أو تبرعات رمزية، بل بأموال ضخمة جمعت على مدى سنوات من الموريتانيين تحت عنوان نصرة أهل غزة، وتقدر وفق ما هو متداول بمليارات الأوقية. وهي أموال دفعها مواطنون بسطاء من قوت يومهم، وتبرع بها تجار وموظفون وعمال ومغتربون، إيمانا منهم بأن هذه المساهمات ستصل إلى من هم في أمس الحاجة إليها. ولذلك فإن أي غموض يكتنف مصير هذه الأموال لا يمس الجانب المالي فحسب، بل يمس ثقة المجتمع بأكمله في العمل الخيري والإنساني.
ومن الطبيعي أن يهب الشعب الموريتاني لمساعدة إخوانه في غزة، فهذا واجب ديني وأخلاقي لا يختلف حوله اثنان. لكن من الطبيعي أيضا أن تكون مثل هذه الهبات الشعبية الكبرى خاضعة لإدارة رسمية واضحة، تتولى تنظيمها ومراقبتها وضمان وصولها إلى مستحقيها. فالدولة تمتلك المؤسسات والآليات القانونية والرقابية التي تجعلها الأقدر على حماية أموال المتبرعين وصونها من الضياع أو الاستغلال.
إن وجود جهة رسمية معتمدة تتولى إدارة التبرعات ليس مجرد إجراء إداري، بل هو ضمانة أساسية للشفافية والثقة. فالمواطن يجب أن يعرف مصدر الحملة التي يتبرع لها، والجهة التي تستلم الأموال، والمسار الذي تسلكه حتى تصل إلى المستفيد النهائي. كما أن وجود رقابة مؤسسية يحمي التبرعات من المتلاعبين وتجار المآسي ومستغلي عواطف الناس، دون تعميم أو ظلم لأحد.
أما أن يترك المجال مفتوحا لكل من أراد جمع الأموال تحت أي عنوان إنساني أو ديني، ثم تجمع المليارات من المواطنين دون آليات واضحة للمتابعة والتدقيق، فذلك أمر بالغ الخطورة. لأن النتيجة قد تكون ضياع الأموال أو تعثر وصولها أو غموض مصيرها، وهو ما يضرب في الصميم ثقة الناس في العمل الخيري ويجعل المتبرعين يترددون مستقبلا في دعم القضايا الإنسانية العادلة.
ولا أحد يطالب بوقف دعم غزة، ولا أحد يشكك في عدالة القضية الفلسطينية أو في واجب نصرة أهلها، لكن من حق الموريتانيين أن يعرفوا أين ذهبت أموالهم. فمن تبرع بألف أوقية ومن تبرع بمليون أوقية يشتركان في حق واحد: أن يطمئنا إلى أن ما قدماه وصل إلى الجهة التي قصداها. فالشفافية ليست عائقا أمام العمل الخيري، بل هي الضمانة الوحيدة لاستمراره وحمايته من العبث والاستغلال والمتاجرة بمعاناة الشعوب.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة شاملة لملف التبرعات العامة في موريتانيا. فلا حملات لجمع الأموال دون ترخيص رسمي، ولا صناديق مالية خارج الرقابة، ولا تحويلات مجهولة المصير، ولا أموال تجمع باسم القضايا الإنسانية دون كشف واضح لمسارها ومآلاتها. فالدولة وحدها تملك سلطة التنظيم والرقابة، وهي مطالبة بحماية أموال المواطنين وصيانة ثقتهم.
كما أن الجهات التي جمعت التبرعات مطالبة أخلاقيا وقانونيا بتقديم توضيحات كاملة للرأي العام، تكشف حجم الأموال التي جمعت، والجهات التي استلمتها، والوثائق التي تثبت وصولها إلى مستحقيها. فحين يتعلق الأمر بأموال الناس وأماناتهم، لا يكفي الصمت ولا تكفي التطمينات العامة، بل لا بد من الحقائق والأرقام والوثائق.
إن القضية اليوم ليست قضية أموال فقط، بل قضية ثقة عامة وأمانة أخلاقية ومسؤولية وطنية. والموريتانيون الذين فتحوا قلوبهم وجيوبهم من أجل غزة يستحقون أن يعرفوا الحقيقة كاملة. فالأمانات لا تسقط بالتقادم، وحقوق المتبرعين لا تضيع بالصمت، والمال الذي جمع باسم المظلومين يجب أن يصل إلى المظلومين، لا أن يبقى مصيره مجهولا بين الأسئلة التي لم تجد جوابا بعد.
محمد سالم المختار الشيخ/موريتانيا




