بين الشائعات والحقائق.. هكذا تُدار السياسة السعودية

من يتابع السياسة السعودية عبر العقود يدرك أن المملكة العربية السعودية لم تكن يوما دولة تتخذ مواقفها تحت ضغط الحملات الإعلامية أو استجابة لموجات الاستقطاب السياسي، بل ظلت من الدول القليلة التي تبني قراراتها على رؤية واضحة تنطلق من قيمها الوطنية ومصالحها الاستراتيجية، ثم تمضي في تنفيذ ما تراه صوابا دون اكتراث بمن يؤيد أو يعارض، حتى وإن كان المعارضون من القوى الكبرى الأكثر نفوذا وتأثيرا في النظام الدولي.
لقد أثبتت المملكة في أكثر من محطة مفصلية أنها لا تخضع لمنطق الإملاءات، ولا تنساق وراء الضجيج السياسي والإعلامي. فما تراه منسجما مع أمنها القومي واستقرار المنطقة ومصالح شعبها تتبناه بثبات، وما تراه متعارضا مع هذه المبادئ ترفضه بوضوح مهما كانت الضغوط أو التكاليف. ولذلك ظلت مواقفها في كثير من القضايا محل احترام حتى لدى خصومها، لأن الثبات والوضوح عنصران أساسيان في السياسة السعودية.
ولعل من أكثر القضايا التي تعرضت فيها المملكة للتشويه المتعمد تلك الادعاءات المتكررة التي زعمت أنها تتجه نحو التطبيع مع إسرائيل على حساب القضية الفلسطينية، أو أنها تتغاضى عن الأخطاء والتجاوزات الإيرانية التي استهدفت أمنها وأمن المنطقة. والحقيقة أن من يردد مثل هذه الاتهامات لا يعرف المملكة ولا يقرأ تاريخها السياسي قراءة منصفة. فالموقف السعودي من القضية الفلسطينية ظل ثابتا لعقود، يقوم على دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وفق المرجعيات الدولية ومبادرة السلام العربية التي أطلقتها المملكة نفسها.
كما أن المملكة، رغم ما تعرضت له من اعتداءات مباشرة وغير مباشرة عبر أذرع إقليمية مرتبطة بإيران، لم تجعل الخلافات سببا لإغلاق أبواب الحوار أو استحالة التفاهم، لأن الدولة الرشيدة تفرق بين الدفاع عن مصالحها الوطنية وبين الانجرار إلى صراعات لا نهاية لها. فهي تسعى إلى الاستقرار والسلام متى توفرت شروطه، لكنها في الوقت ذاته لا تتهاون في حماية أمنها وسيادتها.
وفي هذا السياق تكتسب كلمات الأمير تركي الفيصل أهمية خاصة. والأمير تركي شخصية سياسية ودبلوماسية بارزة، شغل رئاسة الاستخبارات السعودية لسنوات طويلة، كما تولى منصب سفير المملكة لدى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، ويعد من أكثر المسؤولين السعوديين خبرة في ملفات الأمن والسياسة الخارجية. وقد عبر بوضوح عن الرؤية السعودية عندما أكد أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق ما لم تتخل إيران عن مشاريع الهيمنة وتوظيف الميليشيات المسلحة، وما لم تتوقف إسرائيل عن سياسات الاحتلال والاستيلاء على الأراضي العربية والانتهاكات التي تمارسها بحق الشعب الفلسطيني، وما لم يكف الغرب عن توفير الغطاء السياسي والعسكري الذي يشجع إسرائيل على تجاهل القانون الدولي والمعايير الإنسانية.
هذه التصريحات تكشف بوضوح زيف الروايات التي تحاول تصوير المملكة وكأنها تتنازل عن ثوابتها أو تتجاهل التهديدات الموجهة إليها. فالمملكة تنظر إلى المنطقة من منظور شامل يقوم على تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية لجميع شعوبها، وترى أن السلام لا يبنى على المجاملات السياسية ولا على التغاضي عن مصادر التوتر، بل على معالجة أسباب الأزمات من جذورها.
كما أن دعوة الأمير تركي الفيصل إلى تعزيز تماسك دول مجلس التعاون الخليجي وتجريم حملات الإساءة المتبادلة وتطوير منظومة دفاع مشترك تعكس إدراكا عميقا لحجم التحديات التي تواجه المنطقة. فدول الخليج، كما أكد، لا يمكن أن تواجه الأخطار متفرقة، وإنما بقوة الوحدة والتضامن والتكامل، لتكون بالفعل كالبنيان المرصوص في مواجهة كل من يسعى إلى زعزعة أمنها واستقرارها.
إن السياسة السعودية لم تبن يوما على ردود الأفعال، وإنما على رؤية طويلة المدى تستند إلى الحكمة والواقعية وحماية المصالح الوطنية. ولهذا السبب ظلت المملكة قادرة على الحفاظ على استقلال قرارها السياسي، ومواصلة دورها المؤثر إقليميا ودوليا، دون أن تتخلى عن مبادئها أو تنجر وراء ضغوط الآخرين. ومن هنا فإن من يريد فهم المواقف السعودية عليه أن ينظر إلى الأفعال لا إلى الشائعات، وإلى الثوابت لا إلى الحملات الإعلامية العابرة، فالمملكة كانت وستظل دولة تتخذ قراراتها وفق ما تراه صالحا لشعبها وأمتها، لا وفق ما يريده الآخرون.
محمد سالم المختار الشيخ /موريتانيا




