جاء ليستفسر عن دين متأخر … فانتهى به الأمر إلى فك سجين وإطعام أسرة ومحو دين كامل

في زمننا القريب، وفي إحدى قرى المملكة العربية السعودية المعروفة بطيب أهلها وكرم رجالها، عاش رجل ثري لم يكن ثراؤه في أمواله وحدها، بل في قلبه الكبير وروحه الرحيمة وخلقه النبيل. كان بيته مفتوحا لكل محتاج، ومجلسه مقصدا لكل صاحب حاجة، فلا يخرج منه سائل إلا وقد قضيت حاجته، ولا يدخل عليه مهموم إلا وخرج وقد خف حمله وانشرح صدره. كان يرى المال نعمة من الله، ووسيلة لإعانة الناس، لا بابا للتكبر عليهم أو إذلالهم.

وذات يوم جاءه رجل أثقلته الظروف وضاقت به السبل، فطلب منه قرضا قدره أربعون ألف ريال إلى أجل معلوم بينهما. استمع إليه الثري باهتمام، ثم أمر بإكرامه وإحسان ضيافته قبل أن يسلمه المبلغ المطلوب. لم يجرحه بسؤال، ولم يحرجه بكلمة، بل عامله كضيف عزيز حل في داره، ثم كتب العقد بينهما ومضى الرجل وقد قضيت حاجته وحفظت كرامته.

مرت الأيام، ثم الشهور، ثم السنوات، وانقضى الأجل المحدد في العقد، لكن الرجل لم يعد لتسديد ما عليه. ولم يكن ذلك الثري ممن يلاحقون الناس أو يضيقون عليهم، بل قال لأحد عماله المقربين: «هيا بنا نزور فلانا في قريته، فلعل وراء تأخره أمرا لا نعلمه، ولنطمئن عليه قبل أن نسأل عن المال».

انطلق الرجلان حتى وصلا إلى قرية المدين، ثم قصدا منزله وطرقا الباب. فتحت لهم زوجته، وما إن رأتهم حتى بادرت قائلة بحزن وألم: «إن كنتم من أصحاب الديون فارحمونا، فوالله ما عندنا شيء، وزوجي في السجن منذ مدة بسبب دين عليه». عندها لم يعبس الثري ولم يغضب، بل قال لها بهدوء الأب الرحيم: «لا تخافي، بإذن الله سيكون زوجك معكم عند الغداء اليوم».

ثم توجه إلى السوق واشترى شاة ومؤونة من الطعام والخضروات وكل ما تحتاج إليه الأسرة، وعاد إلى المنزل وقال للمرأة: «أعدي الغداء، وسيكون زوجك بينكم بإذن الله».

بعد ذلك اتجه إلى السجن، وسأل عن الرجل، فأخبروه أن عليه دينا مقداره ثمانون ألف ريال، وأنه بسبب ذلك يقبع خلف القضبان. عندها أخرج دفتر شيكاته، وكتب المبلغ كاملا دون تردد، وأنهى جميع الإجراءات اللازمة لإطلاق سراحه.

ولما التقى السجين بمن أنقذه من محنته، طأطأ رأسه حياء وخجلا. كيف لا يخجل، وهذا الرجل نفسه هو الذي أقرضه يوما أربعين ألف ريال، ثم جاء اليوم ليسدد عنه ثمانين ألف ريال ويخرجه من السجن! أما الثري فلم يزد على أن ابتسم في وجهه، وكأن ما فعله أمر عادي لا يستحق الذكر.

خرج الثلاثة من السجن، فقال الثري للرجل: «هيا بنا إلى بيتك، فنحن ضيوفك على الغداء». فأجاب الرجل بحسرة: «والله ما في بيتي ما يقدم لكم». فابتسم الثري وقال: «بل فيه الخير الكثير، تقدم بنا».

وحين وصلوا إلى المنزل وجد الرجل ما لم يكن يتوقعه. وجد الطعام حاضرا، والبيت عاما بما تحتاج إليه أسرته من مؤونة وأرزاق. عندها اختلطت مشاعر الفرح بالخجل، وغلبته دموع الامتنان، فلم يجد ما يقوله إلا أن يرفع يديه بالدعاء لمن أعاد إليه كرامته قبل أن يعيد إليه حريته.

جلس الجميع على مائدة الغداء في جو من الألفة والمودة، حتى إذا حان وقت الرحيل، أخرج الثري وثيقة الدين القديمة التي تثبت الأربعين ألف ريال، ومزقها أمام الرجل وقال: «لم يعد لي عليك شيء».

ثم أردف قائلا: «أنت خارج من السجن اليوم، ورب أسرة تحتاج إلى النفقة والرعاية». وأخرج دفتر شيكاته مرة أخرى، وكتب له شيكا بمبلغ عشرة آلاف ريال، وسلمه إليه مودعا.

وقف الرجل مذهولا لا يكاد يصدق ما يرى. جاءه يطلب قرضا فأكرمه، وتأخر عن السداد فلم يعاتبه، وسجن بسبب دين آخر ففك سجنه، ثم أسقط عنه دينه القديم، وزاده مالا يعينه على بدء حياة جديدة. وما إن غادر الثري حتى بقي الرجل يردد والدموع في عينيه: «جزاك الله عني وعن أسرتي خير الجزاء، وأكثر من أمثالك، وأعطاك من خير الدنيا والآخرة».

لكن العجيب في سيرة هذا الرجل النبيل لم يقف عند هذا الحد. ففي أيام مرضه الأخير، وحين شعر بدنو أجله، جمع أبناءه حوله وطلب منهم أن يأتوا بجميع وثائق الديون التي للناس عنده. فلما وضعت بين يديه، أمر بتمزيقها كلها.

ثم قال لهم وصيته الأخيرة: «من جاءكم بعد موتي يريد سداد دينه فخذوا منه ما شاء أن يؤدي، ومن لم يأت فلا تطالبوه بشيء، فهو في حل مني أمام الله، مهما بلغ دينه».

كانت كلمات تخرج من قلب عرف حقيقة الدنيا، وأدرك أن ما يبقى للإنسان بعد رحيله ليس المال ولا العقار، وإنما الرحمة التي زرعها في قلوب الناس، والخير الذي قدمه لعباد الله.

ثم فاضت روحه إلى بارئها، بعد حياة ملأها الإحسان والعطاء والستر على المحتاجين. رحم الله ذلك الرجل رحمة واسعة، وجعل الجنة مثواه، وجزاه عن كل محتاج أعانه، وكل ملهوف فرج كربته، وكل أسرة أدخل السرور إلى بيتها.

إن هذه القصة ليست مجرد حكاية عن رجل كريم، بل هي درس عظيم في الإنسانية والأصالة والمروءة. وهي شاهد على معدن عربي أصيل، وعلى قيم راسخة عرفت بها المملكة العربية السعودية عبر تاريخها، حيث ظل الكرم والإغاثة والنجدة صفات متجذرة في نفوس أبنائها. وكما يقال إن السعودية وموريتانيا وجهان لعملة واحدة في الشهامة والوفاء وإكرام الضيف، فإن مثل هذه المواقف تؤكد أن الأخلاق العظيمة لا تعرف حدودا جغرافية، بل تجمع بين الشعوب الكريمة على قيم واحدة ومبادئ مشتركة.

ولو أن هذه القصة درست للأجيال في المدارس والجامعات، لما كانت مجرد قصة عن رجل ثري، بل نموذجا عمليا لمعنى الرحمة، ومعنى العطاء، ومعنى أن يكون الإنسان قادرا على أن يغير حياة الآخرين بكرمه وحسن خلقه. فالأمم لا تنهض بالمال وحده، وإنما تنهض بأصحاب القلوب الكبيرة الذين يجعلون من ثرواتهم جسورا للخير، ومن نفوذهم أبوابا للرحمة، ومن حياتهم رسائل خالدة في خدمة الإنسان.

وإذا كانت الثروة تصنع الأغنياء، فإن الأخلاق هي التي تصنع العظماء. وهذا الرجل لم يخلد ذكره لأنه كان يملك المال، بل لأنه عرف كيف يجعل المال خادما للإنسان لا سيدا عليه، وعرف كيف يحول الأرقام الجامدة إلى دموع فرح في عيون المحتاجين، وكيف يحول العقود والديون إلى عفو وصفح وإحسان.

رحم الله أمثال هؤلاء الرجال الذين إذا ذكر المال ذكر معهم الكرم، وإذا ذكرت المروءة كانوا في مقدمة أهلها، وإذا ذكرت الرحمة كانت سيرتهم شاهدا عليها. أولئك الذين يرحلون بأجسادهم، لكن آثارهم الطيبة تبقى حية في القلوب جيلا بعد جيل، تروي للأبناء والأحفاد أن في هذه الأمة رجالا كانت إنسانيتهم أعظم من ثرواتهم، وكانت قلوبهم أوسع من الدنيا بما فيها.

محمد سالم المختار الشيخ/موريتانيا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى