في رحاب البيت الحرام.. رسائل ووصايا للحجاج الموريتانيين في الالتزام والوقار وفق الأنظمة والقوانين السعودية

بينما تقف الأمة الإسلامية على أعتاب موسم حج عام 2026، تتطلع القلوب والأفئدة إلى تلك البقاع الطاهرة التي شهدت بزوغ فجر الإسلام، حيث تتردد في الآفاق أصوات التلبية الخاشعة فتلامس شغاف الأرواح، وتهز وجدان المؤمنين؛ إنها رحلة العمر التي يتجرد فيها الإنسان من زخارف الدنيا وشواغلها، ليرتقي بروحه إلى معارج الصفاء والقبول والرضوان. وفي هذا الموسم المبارك، يتأهب وفد الرحمن من شتى بقاع الأرض، وبخاصة حجاجنا الميامين من أرض المنارة والرباط، موريتانيا الحبيبة، الذين عرفوا في الديار المقدسة بالسمت الحسن، والوقار، والتعلق بالعلم، والمحافظة على شعائر الدين وآدابه.
إن السير إلى بيت الله الحرام ليس مجرد انتقال بالجسد، ولا رحلة عابرة في الأرض، بل هو هجرة كبرى بالروح إلى الله تعالى، وتحول حاسم في مسيرة العبد الإيمانية، يستوجب الوقوف مليا عند مقاصد هذه الشعيرة العظيمة، وتأمل حكمها وآدابها، والعمل بوصاياها؛ ليكون الحج مبرورا، والسعي مشكورا، والتجارة مع الله تجارة لن تبور.
وتتجلى الحكمة العظمى من فرضية الحج في تحقيق العبودية الخالصة لله عز وجل، وترسيخ معاني التوحيد التي قامت عليها الكعبة المشرفة، إذ يقول الله تعالى: “وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ”. فالحج مدرسة إيمانية للتجرد الكامل من مظاهر التفاخر الفاني؛ حيث يرتدي الناس لباسا واحدا أبيض كالأكفان، يستوي فيه الغني والفقير، والحاكم والمحكوم، والقوي والضعيف، في مشهد مهيب يذكر بيوم الحشر الأكبر. ومن حكمه البالغة كذلك ترسيخ وحدة الأمة الإسلامية وإظهار قوة تلاحمها، إذ تذوب الفوارق العرقية واللغوية والجغرافية في بوتقة العبودية لله الواحد الأحد، فيقف الجميع على صعيد واحد يرجون رحمة رب واحد، مما يغرس في النفوس معاني التواضع والمساواة والأخوة الصادقة. وفي هذا المعنى يرى كثير من أهل العلم أن الحج من أعظم الشعائر الجامعة لوحدة المسلمين، والمذكرة لهم بمآلهم وعودتهم إلى الله تعالى؛ فهو ليس طقسا عابرا أو مجرد انتقال بين المشاعر المقدسة، بل رحلة إيمانية تعيد صياغة الإنسان المسلم، ليعود أكثر نقاء وصفاء وقربا من ربه. فالحج، بهذا المعنى، ليس طقسا عابرا، بل رحلة إعادة صياغة للإنسان المسلم، ليعود نقيا طاهرا من الذنوب والآثام.
ولكي يبلغ الحاج هذه المنزلة الرفيعة التي وعد بها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ”، فلا بد له من التمسك بجملة من الآداب الشرعية والسنن المأثورة عن السلف الصالح. وأول هذه الآداب وأعظمها إخلاص النية لله تعالى، وتطهير القلب من الرياء والسمعة، والمبادرة إلى التوبة النصوح ورد المظالم إلى أهلها قبل الرحيل. ويأتي بعد ذلك تحري الحلال في النفقة والزاد، فالمال الحرام مفسد للعبادة، ممحق لبركتها، وقد قيل:
إذا حججتَ بمالٍ أصلُه سُحتٌ
فما حججتَ ولكن حجّتِ العيرُ.
ومن الآداب الرفيعة كذلك لزوم السكينة والوقار، وكف الأذى عن المسلمين في مواطن الزحام عند الطواف والسعي ورمي الجمرات، وحفظ اللسان عن اللغو والخصام والجدال العقيم، امتثالا لقول الله تعالى: “فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ”. وقد كان السلف الصالح يحرصون في الحج على الإكثار من الذكر، وإطعام الطعام، وبذل المعروف، وهداية التائه، والكلمة الطيبة، حتى قال ابن عمر رضي الله عنهما: “إن البر شيء هين: وجه طليق، وكلام لين، وإطعام الطعام”.
وإننا إذ نوجه هذه الوصايا إلى الحجاج عامة، وإلى حجاجنا الموريتانيين خاصة، فإننا نذكرهم بأنهم يحملون معهم أمانة عظيمة؛ أمانة تمثيل بلاد شنقيط التي عرفت عبر التاريخ بالقرآن والفقه والأخلاق الرفيعة، فكونوا خير سفراء لبلادكم في تلك البقاع المباركة، وأظهروا الصورة المشرقة لأهل موريتانيا في حسن التعامل، ولين الجانب، والصبر، واحترام الآخرين. واحرصوا على الرفق بالضعفاء وكبار السن، واغتنموا كل لحظة في الذكر والدعاء والاستغفار، فإنها أيام معدودات لا تعوض، وتزودوا بالعلم الصحيح في مناسك الحج على هدي السنة النبوية، حتى تؤدوا عبادتكم على بصيرة ويقين، امتثالا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ”.
كما ينبغي للحاج أن يتسلح بالصبر العظيم، وأن يترفع عن التذمر من مشاق السفر والزحام؛ فالحج مدرسة للصبر، وميدان لتهذيب النفس، وقد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه جهاد لا قتال فيه، حين قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ فقال: “لَكُنَّ أَفْضَلُ الْجِهَادِ: حَجٌّ مَبْرُورٌ”.
وفي الختام، فإن من تمام فقه الحاج ووعيه، الحرص على السكينة العامة واحترام الأنظمة والتعليمات التنظيمية التي وضعتها المملكة العربية السعودية لخدمة ضيوف الرحمن وتأمين سلامتهم. فالحج شعيرة تعبدية خالصة، شرعها الله لإعلاء كلمة التوحيد، وجمع المسلمين على الطاعة والوحدة، لا لتصفية الخلافات أو رفع الشعارات السياسية والأيديولوجية والطائفية والحزبية التي تفسد روح العبادة وتخرج الشعيرة عن مقاصدها السامية، فضلا عما قد تسببه من تهديد لأمن الحجاج وسلامتهم.
لقد جاء الحجاج ملبين نداء رب واحد، قاصدين بيتا واحدا، يرجون رحمة إله واحد، فلا يليق بهذا المقام العظيم أن يتحول إلى ساحة للخصومات أو إثارة النعرات والانقسامات. فلنكن جميعا عونا للجهات القائمة على خدمة الحرمين الشريفين، ملتزمين بالنظام، محافظين على قدسية المكان والزمان، حتى يبقى الحج واحة أمن وسكينة وسلام.
نسأل الله تعالى أن يحفظ حجاجنا الأماجد، وأن يتقبل منهم مناسكهم، وأن يرزقهم حجا مبرورا وسعيا مشكورا وذنبا مغفورا، وأن يردهم إلى أهلهم وديارهم سالمين غانمين، وقد امتلأت صحائفهم بالحسنات، وقلوبهم بنور الطاعة والإيمان.
محمد سالم المختار الشيخ /موريتانيا




