رحيل رجل الإنسانية والمروءة والوفاء.. الطائف تودع أحد رموز الكرم والعطاء “تعزية”

رحل أبو خالد، فخيم الحزن على القلوب، وغاب وجه كان إذا حضر أضاء المجالس، وإذا ذكر اقترنت سيرته بالكرم والمروءة والإنسانية. لم يكن مجرد رجل معروف في محيطه الضيق، بل كان مدرسة في العطاء، وملاذا لكل من ضاقت به السبل، وبابا لا يغلق في وجه محتاج أو عابر سبيل.

كان أبو خالد قلبا مفتوحا قبل أن يكون بيتا مفتوحا. يستقبلك بوجه بشوش وابتسامة صادقة، كأنك تعرفه منذ زمن بعيد، وكأنك لست غريبا عنه أبدا. ومن عرفه أدرك أن الكرم عنده ليس تصرفا عابرا، بل أسلوب حياة، وسجية متأصلة، ونبضا لا ينقطع.

في مدينة الطائف، لم يكن بيته مجرد منزل، بل محطة إنسانية متكاملة. كان يستقبل الحجاج والمعتمرين، وكل من يقصد مكة أو جدة أو الرياض، فيجدون عنده السكن والرعاية والاهتمام. والمريض كان يمكث في بيته أياما وشهورا، يجد فيه العناية والراحة والدعاء قبل كل شيء، حتى يستعيد عافيته وكأنما هو بين أهله وذويه. لم يكن يسأل عن كثير أو قليل، بل كان عطاؤه سابقا للسؤال، وكرمه أسبق من الطلب.

ولعل من عاصر تلك المرحلة يدرك أكثر حجم ما كان يقدمه أبو خالد للناس؛ ففي زمن لم تكن فيه الفنادق والشقق المفروشة متوافرة كما هي اليوم، وكان ضيق ذات اليد حال كثير من المسافرين والمرضى وذوي الحاجات، ظل بيته مفتوحا للجميع. فالمسافر يجد عنده مأواه، والحاج والمعتمر يجدان الراحة والضيافة، والمريض يجد الرعاية والاهتمام، وكل من ألمت به حاجة أو ضاقت به السبل وجد في منزل أبي خالد بابا مفتوحا وقلبا أرحب من المكان نفسه. ومن هنا أدرك الناس قيمة ما كان يصنعه، فقد كان بيته ملاذا آمنا يوم كانت الخيارات قليلة، وكانت الحاجة إلى أمثاله كبيرة.

وكان زواره من كل مكان؛ من الباحة، ومن المدن البعيدة، ومن كل من طرق باب الطائف عابرا أو قاصدا، يجدون في مجلسه سكينة وطمأنينة، وكأن المكان خلق ليكون مأوى للغرباء قبل الأقارب. ولم يكن حضوره حضور جسد فحسب، بل حضور روح تبعث الطمأنينة في كل من حولها.

كان إذا دخل مجلسا تبددت الهموم، وانفرجت الصدور، وتحول إلى مجلس تملؤه الألفة والسرور، وكأن الفرح كان يسير معه حيث سار. وإذا زرته في منزله، استقبلك بحفاوة لا تشبه إلا استقبال الأب لابنه، أو الابن لأبيه، أو المحب لحبيبه، يحتفي بك بقلبه قبل بيته، ويشعرك منذ اللحظة الأولى أنك واحد من أهل الدار لا ضيفا عابرا. وكان رحمه الله معروفا بسعة صدره، وطلاقة وجهه، وبشاشة محياه، ونقاء سريرته، وطهارة قلبه.

لم يكن أبو خالد صاحب كرم وحكمة فحسب، بل كان أيضا صاحب روح مرحة، عرف بقصائده الساخرة والفكاهية، وبمداعباته اللطيفة التي لا تستثني أحدا، يمازح الكبير والصغير، والقريب والبعيد، دون أن تجرح كلماته أحدا أو تنال من كرامته. فكانت مجالسه عامرة بالأنس، وحديثه باعثا على البهجة، حتى إن من يجالسه لا يخرج إلا وهو يحمل في قلبه محبة له، وفي ذاكرته موقفا جميلا أو ابتسامة صادقة لا تنسى.

ولذلك لم يكن غريبا أن يلقب برجب الشيخ، فقد جمع بين سعة اليد ورجاحة العقل، وبين البذل والصبر، وبين حسن الاستقبال وصدق المعاملة. كان إذا قضى حاجة لأحد، فعل ذلك بصمت، وكأن العطاء عنده لا يحتاج إلى إعلان، بل يكفيه أن يصل إلى مستقره في قلوب الناس.

رحل أبو خالد، لكن سيرته باقية في القلوب قبل الكلمات، وفي الدعوات قبل الذكريات. رحل الجسد، وبقي الأثر، وبقيت البيوت التي آوت، والقلوب التي جبرت، والابتسامات التي رسمها على الوجوه، والمواقف النبيلة التي ستظل تروى جيلا بعد جيل، والدعوات التي ترفع له في كل حين.

رحم الله أبا خالد رحمة واسعة، وغفر له، وأكرم نزله، ووسع مدخله، ورفع منزلته في أعلى الجنان، وجزاه عن كل خير قدمه خير الجزاء. اللهم أفرغ على أبنائه وبناته وزوجه وسائر أهله ومحبيه صبرا جميلا، وألهمهم السلوان، واجمعهم به في جنات النعيم، يا أرحم الراحمين.

مرزوق بن علي الزهراني

مرزوق بن علي الزهراني 🇸🇦

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى