بعد عامين من النجاح اللافت.. الحدث ميديا يعلن التوقف النهائي عن النشر

لم يكن موقع الحدث ميديا مجرد منصة إخبارية عابرة ظهرت ثم مضت، بل كان تجربة إعلامية صنعت حضورها بصبر المؤمن برسالته، وبجهد فريق آمن أن الكلمة الصادقة قادرة على أن تجد طريقها إلى الناس مهما كانت الإمكانات محدودة. وخلال عامين فقط، استطاع الموقع أن يحجز لنفسه مكانا بين أهم المواقع الإخبارية في موريتانيا، وفق مؤشرات منصة “موريتانيا الآن” في تصنيفها المعروف بـ”الصفحة الرابعة”، وهي شهادة لم تأت مجاملة، وإنما جاءت نتيجة عمل يومي متواصل، ومهنية التزمت الخبر والتحليل والمسؤولية، حتى باتت كل المؤشرات تؤكد أن المراجعة المقبلة قد تضع الحدث ميديا في صدارة المشهد الإعلامي الوطني. ولم يكن هذا الحضور محليا فحسب، بل امتدت دائرة قرائه ومتابعيه عبر صفحات التواصل الاجتماعي، وخاصة فيسبوك، لتصل يوميا إلى آلاف المتابعين من مختلف قارات العالم، في صورة تعكس حجم الثقة التي اكتسبها الموقع، والمكانة التي بلغها في وجدان جمهوره.

لكن المؤسسات الإعلامية، مهما بلغت من النجاح، تبقى في نهاية المطاف مرتبطة بالبشر الذين يحملون رسالتها، ويقفون خلف تفاصيلها اليومية، وحين تنهكهم الظروف، فإن أكثر المشاريع رسوخا قد تجد نفسها مضطرة إلى التوقف. ومن هنا، يعلن موقع الحدث ميديا، بكل أسف وألم، توقفه عن النشر إلى أجل غير معلوم، بسبب ظروف فنية من جهة، وبسبب الحالة الصحية المتدهورة لمديره الناشر من جهة أخرى، وهي ظروف أصبحت تحول دون مواصلة مسؤولياته التحريرية والإدارية، بعد رحلة طويلة من الصبر والمقاومة والإصرار على الاستمرار، رغم ما كان يواجهه من معاناة لا يعلم تفاصيلها إلا الله.

لقد طرق المدير الناشر كل الأبواب التي ظن أنها ستنصت إلى نداء إنسان أنهكه المرض قبل أن ينهكه العمل، فتوجه برسالة إلى فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، ملتمسا التكفل بعلاجه في تركيا، كما بعث برسالة إلى الديوان الملكي في المملكة العربية السعودية، وهو الذي أفنى أكثر من عشرين عاما من عمره مدافعا عن المملكة إعلاميا، مؤمنا بأن العلاقات الموريتانية السعودية ليست مجرد مصالح عابرة، بل هي روابط أخوة وعقيدة ومصير، وكان يرى أن الدفاع عن البلدين واجب ديني ووطني وأخلاقي، فكتب وتحمل، وصبر وواجه، ولم ينتظر يوما مقابلا لما قدم، حتى جاء اليوم الذي وجد فيه نفسه مضطرا إلى طلب العون، لا طلبا لامتياز، وإنما طلبا للعلاج الذي يحفظ له حياته ويمكنه من مواصلة رسالته.

وهو على يقين بأن رسائله قد وصلت إلى الجهات التي خاطبها، وما زال يحتفظ بكامل ثقته في إنسانيتها، غير أن الأيام مضت، ولم يصله إلى هذه اللحظة أي رد. ولم يعد الأمر بالنسبة إليه قضية انتظار جواب، بقدر ما أصبح استسلاما لواقع فرضته الظروف الصحية القاهرة، فقرر أن يوقف العمل، لا لأنه أراد أن يغادر الميدان، وإنما لأنه أُجبر على ذلك، مصداقا لقول العرب: “مجبر أخاك لا بطل”. وبعد أن استنفد الأسباب، رفع أمره إلى الله وحده، مستحضرا قوله تعالى: “وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ”، مؤمنا أن أبواب السماء لا تغلق، وأن رحمة الله أوسع من كل أبواب الدنيا.

إن إدارة الموقع والعاملين فيه يعبرون عن بالغ أسفهم لهذا القرار الذي فرضته ظروف لا يملكون دفعها، كما يتقدم المدير الناشر بخالص الامتنان لكل صحفي وإداري وفني وعامل كان جزءا من هذه المسيرة، ولكل قارئ ومتابع وقف إلى جانب الحدث ميديا بكلمة طيبة، أو دعاء صادق، أو مشاركة، أو تشجيع، فذلك الدعم المعنوي كان الوقود الحقيقي الذي منح الموقع القدرة على الصمود والاستمرار طوال هذه السنوات.

وربما يتوقف النشر، لكن الرسالة لا تموت، وربما تغيب الأخبار عن الشاشة، لكن أثر الكلمة الصادقة يبقى حيا في ذاكرة الناس. وإن كانت هذه هي السطور الأخيرة التي يكتبها الحدث ميديا في هذه المرحلة، فإنها ليست سطور وداع بقدر ما هي شهادة امتنان لكل من آمن بهذا المشروع، ودعى بأن يجعل الله من هذه المحنة بابا للفرج، ومن هذا الصبر بداية للعافية، وأن يعوض كل تعب بأجر، وكل ألم بشفاء، وكل انكسار بجبر كريم.

فإن كتب الله لهذا المنبر عودة، فسيعود أكثر قوة وإيمانا برسالته، وإن كانت هذه آخر الكلمات، فحسبها أنها خرجت بصدق، وما خرج من القلب لا يضيع عند الله، ولا يسقط من ذاكرة الأوفياء. والسلام على كل يد امتدت بالعون، وعلى كل قلب دعا بظهر الغيب، وعلى كل قارئ حمل هذه الرسالة بمحبة. أما نحن، فنغادر صفحات النشر، ولا نغادر الأمل، ونودعكم بقلوب يعتصرها الألم، ولسانها لا يقول إلا: حسبنا الله ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير.

الحدث ميديا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى