كَلِيْلَةٌ وَدِمْنَةٌ/اعْتَنَى بِتَنْسِيْقِ نَصِّهِ من طَبْعَةِ بُولَاق وتَصْحِيْحِها:الحُسَيْنُ بن حَيْدَر “الباب الثاني”

بَابُ بَعْثَةِ بَرْزَوَيْهِ إلى بِلَادِ الهِنْدِ

أمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ الخَلْقَ بِرَحْمَتِهِ، وَمَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بفضلِهِ وَكَرَمِهِ وَرَزَقَهُمْ مَا يَقْدِرُونَ بِهِ عَلَى إِصْلَاح مَعَايِشِهِمْ في الدُّنْيَا، وَيُدْرِكُونَ بِهِ اسْتِنْقَاذَ أَرْوَاحِهِمْ مِنَ العَذَابِ في الآخِرَةِ، وَأَفْضَلُ مَا رَزَقَهُمُ اللهُ تَعَالَى وَمَنَّ بِهِ عَلَيْهِم العَقْلُ الَّذِى هُوَ الدِّعَامَةُ لجَمِيعِ الأَشْيَاءِ، وَالَّذِي لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ فِي الدُّنْيَا عَلَى إِصْلَاحِ مَعِيشَتِهِ وَلَا إِحْرَازِ نَفْعٍ وَلَا دَفْعِ ضَرَرٍ إِلَّا بِهِ.

 

وكَذَلِكَ طَالِبُ الآخِرَةِ المُجْتَهِدُ في العَمَلِ المنُجِّي بِه رُوحَهُ لَا يَقْدِرُ بِهِ على إتْمَامِ عَمَلِهِ وَإِكْمَالِهِ إلَّا بِالعَقْلِ الذي هُوَ سَبَبُ كُلِّ خَيرٍ وَمِفْتَاحُ كُلِّ سَعَادَةٍ، فَلَيْسَ لِأحَدٍ غِنىً عَنِ العَقْلِ. وَالعَقْلُ مُكْتَسَبٌ بِالتَّجَارِبِ وَالأَدَبِ. وَلَهُ غَرِيزَةٌ مَكْنُونَةٌ فِي الإِنْسَانِ كَامِنَةٌ كَالنَّارِ فِي الحَجَرِ لَا تَظْهَرُ وَلَا يُرَى ضَوْءُهَا حَتَّى يَقْدَحَهَا قادِحٌ مِنَ النَّاسِ، فَإِذَا قُدِحَتْ ظَهَرَتْ طَبِيعَتُهَا. وَكَذَلِكَ العَقْلُ كَامِنٌ فِي الإِنْسَانِ لَا يَظْهَرُ حَتى يُظْهِرَهُ الأَدَبُ وَتُقَوِّيَهُ التَّجَارِبُ. وَمَنْ رُزِقَ العَقْلَ وَمُنَّ بِهِ عَلَيْهِ وَأُعِينَ عَلَى صِدْقِ قَرِيحَتِهِ بِالأَدَبِ حَرَصَ عَلَى طَلَبِ سَعْدِ جَدِّهِ، وَأَدْرَكَ فِي الدُّنْيَا أَمَلَهُ، وَحَازَ فِي الآخِرَةِ ثَوَابَ الصَّالِحِينَ.

 

وَقَدْ رَزَقَ اللهُ المَلِكَ السَّعِيدَ أَنُوشِرْوَانَ مِنَ العَقْلِ أَفْضَلَهُ، وَمِنَ العِلْمِ أَجْزَلَهُ، وَمِنَ المَعْرِفَةِ بِالأُمُورِ أَصْوَبَهَا، وَمِنَ الأَفْعَالِ أَسَدَّهَا، وَمِنَ البَحْثِ عَنِ الأُصُولِ وَالفُرُوعِ أَنْفَعَهُ، وَبَلَّغَهُ مِنْ فُنُونِ اخْتِلَافِ العِلْمِ، وَبُلُوغِ مَنْزِلَةِ الفَلْسَفَةِ، مَا لَمْ يَبْلُغُهُ مَلِكٌ قَطُّ مِنَ المُلُوكِ قَبْلَهُ حَتَّى كَانَ فِيمَا طَلَبَ وَبَحَثَ عَنْهُ مِنَ العِلْمِ أَنْ بَلَغَهُ عَنْ كِتَابِ بالهِنْدِ، عَلِمَ أَنَّهُ أَصْلُ كُلِّ أَدَبٍ وَرَأْسُ كُلِّ عِلْمٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى كُلِّ مَنْفَعَةٍ، وَمِفْتَاحُ عَمَلِ الآخِرَةِ وَعِلْمِهَا، وَمَعْرِفَةِ النَّجَاةِ مِنْ هَوْلِهَا[1].

 

فَأَمَرَ الملكُ وَزِيْرَهُ بُزُرْجَمِهْرَ أَنْ يَبْحثَ لَهُ عَن رَجُلٍ أَدِيْبٍ عَاقِلٍ مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ، بَصِيرٍ بِلِسَانِ الفَارِسِيَّةِ، مَاهِرٍ فِي كَلَام الهِنْدِ، وَيَكُونُ بَلِيغًا بِاللِّسَانَيْنِ جَمِيعًا، حَرِيصًا عَلَى طَلَبِ العِلْمِ مُجْتَهِدًا فِي اسْتِعْمَالِ الأَدَبِ، مُبَادِرًا فِي طَلَبِ العِلْمِ، وَالبَحْثِ عَنْ كُتُبِ الفَلْسَفَةِ. فَأَتَاهُ بِرَجُلٍ أَدِيبِ كَامِلِ العَقْلِ وَالأَدَبِ، مَعْرُوفٍ بِصِنَاعَةِ الطَّبِّ، مَاهِرٍ فِي الفَارِسِيَّةِ وَالهِنْدِيَّةِ يُقَالُ لَهُ بَرْزَوَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ كَفَّرَ وَسَجَدَ بَيْنَ يَدَيهِ.

 

فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: يَا بَرْزَوَيْهِ إِنِّي قَدِ اخْتَرْتُكَ لِمَا بَلَغَنِي مِن فَضْلِكَ وَعَلمِكَ وَعَقْلِكَ، وَحِرْصِكَ عَلَى طَلَبِ العِلْمِ حَيْثُ كَانَ. وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ كِتَابٍ بِالهِنْدِ مَخْزُونٍ فِي خَزَائِنِهِمْ، وَقَصَّ عَلَيْهِ مَا بَلَغَهُ عَنْهُ. وَقَالَ لَهُ: تَجَهَّزْ فَإِنِّي مُرَحِّلُكَ إِلَى أَرْضِ الهِنْدِ، فَتَلَطَّفْ بِعَقْلِكَ وَحُسْنِ أَدَبِكَ وَنَافِدِ رَأْيِكَ، لِاسْتِخْرَاجِ هَذَا الكِتَابِ مِنْ خَزَائِنِهِمْ وَمِنْ قِبَلِ عُلَمَائِهِمْ، فَتَسْتَفِيدَ بِذلِكَ وَتُفِيدَنَا. وَمَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الهِنْدِ مِمَّا لَيْسَ فِي خَزَائِنِنَا مِنْهُ شَيْءٌ فَاحْمِلْهُ مَعَكَ، وَخُذْ مَعَكَ مِنَ المالِ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَعَجِّلْ ذَلِكَ، وَلَا تُقَصِّرْ في طَلَبِ العُلُومِ وإنْ أَكْثَرْتَ فِيهِ النَّفَقَةَ، فَإِنَّ جَمِيعَ مَا فِي خَزَائِنِي مَبْذُولٌ لَكَ فِي طَلَبِ العُلُومِ.

 

وَأَمَرَ بِإِحْضَارِ المُنَجِّمِينَ، فَاخْتَارُوا لَهُ يَوْمًا يَسيرُ فِيهِ، وَسَاعَةً صَالِحَةً يَخْرُجُ فِيهَا. وَحَمَلَ مَعَهَ ُمِنَ المَالَ عِشْرِينَ جِرَابًا، كُلُّ جِرَابٍ فِيهِ عَشْرَةُ آلَافِ دِينَارٍ، فَلَمَّا قَدِمَ بَرزَوَيْهِ بِلَادَ الهِنْدِ طَافَ بِبَابِ المَلِكِ وَمَجَالسِ السُّوقَةِ، وَسَأَلَ عَن خَوَاصِّ المَلِكِ وَالأَشْرَافِ وَالعُلَمَاءِ وَالفَلَاسِفَةِ، فَجَعَلَ يَغْشَاهُمْ فِي مَنَازِلهِمْ، وَيَتَلَقَّاهُمْ بِالتَّحِيَّةِ، وَيُخْبِرُهُمْ بِأَنَّهُ رَجُلٌ غَرِيبٌ قَدِمَ بِلَادَهُمْ لِطَلَبَ العُلُومِ وَالأَدَبِ، وَأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى مُعَاوَنَتِهِمْ فِي ذَلِكَ. فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ زَمَانًا طَوِيلًا يَتَأْدَبُ عَنْ عُلَمَاءِ الهِنْدِ بِمَا هُوَ عَالِمٌ بِجَميعِهِ، وَكَأنَهُ لَا يَعْلَمُ مِنْهُ شَيْئًا، وَهُوَ فِيمَا بَينَ ذلِكَ يَسْتُرُ بُغْيَتَهُ وَحَاجَتَهُ. وَاتَّخَذَ فِي تِلْكَ الحَالَةِ لِطُولِ مُقَامِهِ أصْدِقَاءَ كَثِيرَةً مِنَ الأَشْرَافِ وَالعُلَماءِ وَالفَلَاسِفَةِ وَالسُّوقَةِ وَمِنْ أَهْلِ كُلِّ طَبَقَةٍ وَصِنَاعَةٍ، وَكَانَ قَدِ اتَّخَذَ من بَيْنِ أصْدِقَائِهِ رَجُلًا وَاحِدًا قَدِ اتَّخَذَهُ لِسرِّهِ وَمَا يُحِبُّ مُشاوَرَتَهُ فِيهِ، لِلَّذِي ظَهَرَ لَهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَدَبِهِ، وَاسْتَبَانَ لَهُ مِنْ صِحَّةِ إخَائِهِ، وَكَانَ يُشَاوِرُهُ فِي الأُمورِ، وَيَرْتَاحُ اليه في جِمِيْعِ ما أَهَمَّهُ. إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَكْتُمُ مِنْهُ الأمْرَ الَّذِي قَدِمَ مِنْ أَجْلِهِ لِكَيْ يَبْلُوَهُ وَيَخْبُرَهُ، وَيَنظُرَ هَل هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُطْلِعَهُ عَلَى سِرِّهِ. فَقَالَ لَهُ يَوْماً وَهُمَا جَالِسَانِ: يَا أَخِي مَا أُرِيدُ أَنْ أَكْتُمَكَ مِنْ أَمْرِي فَوْقَ الَّذِي كَتَمْتُكَ، فَاعْلَمْ أَنِّي لِأَمْرٍ قَدِمْتُ، وَهُوَ غَيْرُ الَّذِي يظْهَرُ مِنِّي، وَالعَاقِلُ يَكْتَفِي مِنَ الرَّجُلِ بِالعَلَامَاتِ مِنْ نَظَرِهِ، حَتَّى يَعْلَمَ سِرَّ نَفْسِهِ وَمَا يُضْمِرُهُ قَلْبُهُ.

 

قَالَ لَهُ الهِنْدِيُّ: إنِّي وَإِنْ لم أكُنْ بَدَأَتُكَ وَأَخْبَرْتُكَ بِمَا جِئْتَ لَهُ، وَإِيَّاهُ تُرِيدُ، وأنَّكَ تَكْمُ أَمْرًا تَطْلُبُهُ، وَتُظهِرُ غَيْرَهُ، مَا خَفِيَ عَلَيَّ ذلِكَ مِنْكَ. ولَكِنِّي لَرَغْبَتِي فِي إِخَائِكَ، كَرِهْتُ أَنْ أُوَاجِهَكَ بِهِ. وَإِنَّهُ قَدِ اسْتَبَانَ مَا تُخْفِيهِ مِني. فَأَمَّا إِذْ قَدْ أَظْهَرْتَ ذَلكَ، وَأَفْصَحْتَ به وَبِالكَلَام فِيهِ، فَإِنِّي مُخْبِرُكَ عَنْ نَفْسِكَ، وَمُظْهِرٌ لَكَ سَرِيرَتَكَ، وَمُعْلِمُكَ بِحَالِكَ الَّتِي قَدِمْتَ لَهَا، فَإِنَّكَ قَدِمْتَ بِلَادَنَا لِتَسْلُبَنَا كُنُوزَنَا النَّفِيسَةَ، فَتَذْهَبَ بِهَا إِلَى بِلَادِكَ، وَتَسُرُّ بِهَا مَلِكَكَ، وَكَانَ قُدُومُكَ بِالمَكْرِ وَالخَدِيعَةِ، وَلكِنِّي لَمَّا رَأَيْتُ صَبَرَكَ، وَمُوَاظَبَتَكَ عَلَى طَلَبِ حَاجَتِكَ، وَالتَّحَفُّظِ مِنْ أَنْ يَسْقُطَ مِنْكَ الكَلَامُ، مَعَ طُولِ مُكْثِكَ عِنْدَنَا، بِشَيْءٍ يُسْتَدَلْ بِهِ عَلَى سَرِيرَتِكَ وَأُمُورِكَ، ازْدَدْتُ رَغبَةً فِي إِخَائِكَ، وَثِقَةً بِعَقْلكَ، فَأَحْبَبْتُ مَوَدَّتَكَ. فَإِنِّي لَمْ أَرَ في الرِّجَالِ رَجُلًا هُوَ أَرْصَنُ مِنْكَ عَقَلًا ولَا أَحْسَنُ أدَبًا، وَلَا أَصْبَرُ عَلَى طَلبِ العِلْمِ وَلَا أَكْتَمُ لِسِرِّهِ منْكَ، وَلَاسيَّما فِي بِلَادِ غُرْبَةٍ، وَمَمْلَكَةٍ غَيْرِ مَمْلَكَتِكَ، عِنْدَ قَوْمٍ لَا تَعْرِفُ سُنْتَهُمْ. وَإِنَّ عَقْلَ الرَّجُلِ لَيَبِيْنُ في ثَمَانِي خِصَالٍ:

 

الأُولَى: الرِّفْقُ.

 

وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَعْرِفَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ فَيَحْفَظَهَا.

 

والثَّالِثَةُ: طَاعَةُ المُلُوكِ، وَالتَّحَرِّي لِما يُرْضِيهِم.

 

والرَّابِعَةُ: مَعْرِفَةُ الرَّجُلِ مَوْضِعَ سِرِهِ، وَكَيْفَ يَنْبَغِي أَنْ يُطْلِعَ عَلَيْهِ صَدِيقَهُ.

 

والخَامِسَةُ: أَنْ يَكُونَ عَلَى أَبْوَابِ المُلُوكِ أَدِيبًا مَلِقَ اللَّسَانِ.

 

والسَّادِسَةُ: أَنْ يَكُونَ لِسِرِّهِ وَسِرِّ غَيْرِهِ حَافِظًا.

 

وَالسَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ على لِسَانِهِ قَادِرًا، فَلَا يَتَكَلَّمُ إِلا بِمَا يَأْمَنُ تَبِعَتهُ.

 

وَالثَّامِنَةُ: إنْ كَانَ بِالمَحْفِلِ لَا يَتَكَلَّمُ إِلا بِمَا يُسْأَلُ عَنْهُ، فَمَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الخِصَالُ كَانَ هُوَ الدَّاعِيَ الخَيْرِ إِلَى نَفْسِهِ.

 

وَهَذِهِ الخِصَالُ كُلُّهَا قَدِ اجْتَمَعَتْ فِيكَ، وَبَانَتْ لِي مِنْكَ. فَاللهُ تَعَالَى يَحْفَظُكَ، وَيُعِينُكَ عَلَى مَا قَدِمْتَ لَهُ، فَمُصَادَقَتُكَ إِيَّايَ، وَإِنْ كَانَتْ لِتَسْلُبَنِي كَنْزِي وَفَخْرِي وَعِلْمِي، تَجْعَلُكَ أَهْلًا لِأَنْ تُسْعَفَ بِحَاجَتِكَ، وَتُشْفَعَ بِطِلْبَتِكَ، وَتُعْطَى سُؤْلَكَ.

 

فَقَالَ لَهُ بَرْزَوَيْهِ: إِنِّي قَدْ كُنتُ هَيَّأْتُ كَلَامًا كَثِيرًا، وَشَعَبْتُ لَهُ شُعُوبًا، وَأَنْشَأَتُ لَهُ أَصُولًا وَطُرُقًا، فَلَمَّا انْتَهَيْتَ إِلَى مَا بَدَأْتَنِي بِهِ مِنَ اطْلَاعِكَ علَى أَمْرِي وَالَّذِي قَدِمْتُ لَهُ، وَأَلْقَيْتَهُ عَلَيَّ مِنْ ذَاتِ نَفْسِكَ، وَرَغْبَتِكَ فِيمَا أَلْقَيْتَ مِنَ القَوْلِ، اكْتَفَيْتُ بِاليَسِيرِ مِنَ الخِطَابِ مَعَكَ، وَعَرَفْتُ الكَبِيرَ مِنْ أُمُورِي بِالصَّغِيرِ مِنَ الكَلَام، واقْتَصَرْتُ بِهِ مَعَكَ عَلَى الإِيجَازِ. وَرَأَيْتُ مِنْ إِسْعَافِكَ إِيَّايَ بِحَاجَتِي مَا دَلَّنِي عَلَى كَرَمِكَ وَحُسْنِ وَفَائِكَ، فَإِنَّ الكَلَامَ إِذَا أُلْقِيَ إِلَى الْفَيْلَسُوفِ، وَالسِّرَّ إِذَا اسْتَودِعَ إِلَى اللَّبِيبِ الحَافِظِ، فَقَدْ حُصِّنَ وَبُلِغَ بِهِ نِهَايَةُ أَمَلِ صَاحِبِهِ، كَمَا يُحَصَّنُ الشَّيْءُ النَّفِيسُ فِي القِلَاعِ الحَصِينَةِ.

 

قَالَ لَهُ الهِنْدِيّ: لَا شَيءَ أَفْضَلُ مِنَ المَوَدَّةِ. وَمَنْ خَلَصَتْ مَوَدَّتُهُ كَانَ أَهْلًا أَنْ يَخْلِطَهُ الرَّجُلُ بنَفْسِهِ، وَلَا يَدَّخِرَ عَنْهُ شَيْئًا، وَلَا يَكْتُمَهُ سِرًا، فَإِنَّ حِفْظَ السِّرِّ رَأسُ الأَدَبِ. فَإِذَا كَانَ السِّرُّ عِندَ الأَمِينِ الكَتُومِ فَقَدِ احْتُرِزَ مِنَ التَّضْيِيعِ، مَعَ أَنَّهُ خَلِيقٌ أَلَّا يَتَكَلَّمَ بِهِ، وَلَا يَتِمُّ سِرٌّ بَيْنَ اثْنَيْنِ قدْ عَلِمَاهُ وَتَفَاوَضَاهُ. فَإِذَا تَكَلَّمَ بِالسِّرِّ اثْنَانِ فَلَا بُدَّ مِنْ ثَالِثٍ مِنْ جِهَةِ أَحَدِهِمَا، فَإِذَا صَارَ إلَى الثَّلَاثَةِ فَقَدْ شَاعَ وَذَاعَ، حَتَّى لَا يَسْتَطِيعَ صَاحِبُهُ أنْ يَجْحَدَهُ وَيُكَابِرَ عَنْهُ، كَالغَيْمِ إِذَا كَانَ مُتَقَطعًا فِي السَّمَاءِ فَقَالَ قَائِلٌ: هَذَا غَيْمٌ مُتَقَطِّعٌ، لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ على تَكْذِيْبِهِ. وَأَنَا قَدْ يُدَاخِلُنِي مِنْ مَوَدَّتِكَ وَخِلْطَتِكَ سُرُورٌ لَا يَعْدِلُهُ شَيْءٌ. وَهَذَا الأَمْرُ الَّذِى تَطْلُبُهُ مِني أَعْلَمُ أَنَّهُ مِنَ الأَسْرَارِ التَّي لا تُكْتَمُ، فَلَا بُدَّ أنْ يَفْشُوَ وَيَظْهَر، حَتَّى يَتَحَدَّثَ بِه النَّاسُ، فَإِذَا فَشَا فَقَدْ سَعَيْتُ فِي هَلَاكِي هَلَاكًا لَا أَقْدِرُ عَلَى الفِدَاء مِنْهُ بِالمَالِ وَإِن كَثُرَ، لأنَّ مَلِكَنَا فَظٌّ غَلِيظٌ، يُعاقِبُ عَلَى الذَّنْبِ الصَّغِيرِ أَشَدَّ العِقَابِ، فَكَيْفَ مِثْلُ هَذَا الذَّنْبِ العَظيمِ؟ وَإِذَا حَمَلَتْنِي المَوَدَّةُ الَّتِي بَينِي وَبَيْنَكَ فَأَسْعَفْتُكَ بِحَاجَتِكَ لَمْ يَرُدَّ عِقَابَهُ عَنِّي شَيْءٌ.

 

قَالَ بَرَزَوَيْهِ: إِنَّ العُلَمَاءَ قَدْ مَدَحَتْ الصَّدِيقَ إِذَا كَتَمَ سِرَّ صَدِيقِهِ وَأَعَانَهُ عَلَى الفَوْزِ. وَهَذَا الأَمْرُ الَّذِي قَدِمْتُ لَهُ، لِمِثْلِكَ ذَخَرْتُهُ، وَبِكَ أَرْجُو بُلُوغَهُ، وَأَنَا وَاثِقٌ بِكَرَمِ طِبَاعِكَ وَوُفُورٍ عَقلِكَ، وَأَعلَمُ أَنَّكَ لَا تَخْشَى مِنِّي وَلَا تَخَافُ أَنْ أَبْدِيَهُ، بَلْ تَخْشَى أَهْلَ بَيْتِكَ الطَّائِفِينَ بِكَ وَبِالمَلِكِ أَنْ يسعوا بِكَ إِلَيْهِ. وَأَنَا أَرْجُو أَلا يَشِيْعَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الأمْرِ، لِأنِّي أنَا ظَاعِنٌ وَأَنتَ مُقِيمٌ، وَمَا أَقَمْتُ فَلَا ثَالِثَ بَيْنَنَا، فَتَعَاهَدَا عَلى هَذا جَمِيعًا. وَكَانَ الهِنْدِيُّ خَازِنَ المَلِكِ، وَبِيَدِهِ مَفَاتِيحُ خَزَائِنِهِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذلِكَ الكِتَابِ وَإِلَى غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ.

 

فَأَكَبَّ عَلَى تَفسِيرِهِ وَنَقْلِهِ مِنَ اللَّسانِ الهِنْدِيِّ إِلَى اللِّسَانِ الفَارِسِيِّ، وأَتْعَبَ نَفْسَهُ، وَأَنْصَبَ بَدَنَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا. وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ وَجِلٌ وَفَزِعٌ مِنْ مَلِكِ الهَندِ، خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ أَنْ يَذكَرَ المَلِكُ الكِتَابَ فِي وَقتٍ وَلَا يُصَادِفَهُ فِي خَزَائِنِهِ.

 

فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ انتِسَاخِ الكِتَابِ وَغَيْرِهِ مِمَّا أَرَادَ مِنْ سَائِرِ الكُتُبِ. كَتَبَ إِلَى أَنُوشِرْوَانَ يُعْلِمُهُ بِذلِكَ.

 

فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ الكِتَابُ، سُرَّ بِذلِكَ سُرُورًا شَدِيدًا، ثُمَّ تَخَوَّفَ مُعَاجَلَةَ المَقَادِيرِ أَنْ تُنَغِصَ عَلَيْهِ فَرَحَهُ، فَكَتَبَ إِلَى بَرْزَوَيْهِ يَأْمُرُهُ بِتَعْجِيلِ القُدُوْمِ. فَسَارَ بَرْزَوَيْهِ مُتَوَجِهًا نَحْوَ كِسْرَى.

 

فَلَمَّا رَأَى المَلِكُ مَا قَدْ مَسَّهُ مِنَ الشُّحُوبِ والتَّعَبِ وَالنَّصَبِ، قَالَ لَهُ: أَيُّهَا العَبْدُ النَّاصِحُ الَّذِي يَأْكُلُ ثَمَرَةَ ما قَدْ غَرَسَ، أَبْشِرْ وَقَرَّ عَيْنًا: فَإِنِّي مُشْرِّفُكَ وَبَالِغٌ بِكَ أَفْضَلَ دَرَجَةٍ. وَأَمَرَهُ أَنْ يُرِيحَ بَدَنَهُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ اليَوْمُ الثَّامِنُ، أمَرَ المَلِكُ أَنْ يَجْتَمِعَ إِلَيْهِ الأَمَرَاءُ وَالعُلَمَاءُ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا. أَمَرَ بَرزَوَيْهِ بِالحُضُورِ، فَحَضَرَ وَمَعَهُ الكُتُبُ، فَفَتَحَهَا وَقَرَأَهَا عَلَى مَنْ حَضَرَ مِنْ أَهْلِ الممْلَكَةِ. فَلَمَّا سَمِعُوا مَا فِيهَا مِنَ العِلْمِ فَرِحُوا فَرَحًا شَدِيدًا، وَشَكَّرُوا لِلَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ، وَمَدَحُوا بَرَزَوَيْهِ وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ، وَأَمَرَ المَلِكُ أَنْ تُفْتَحَ لِبَرْزَوَيْهِ خَزَائِنُ اللؤْلُؤِ وَالزَّبَرْجَد وَاليَاقُوتِ وَالذَهَبِ والفِضَّةِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الخزائِنِ مَا شَاءَ مِنْ مَالٍ أَوْ كُسْوَةٍ، وَقَالَ: يَا بَرْزَوَيْهِ إِنِّي قَدْ أَمَرْتُ أَنْ تُجْلَسَ عَلَى مِثْلِ سَرِيرِي هَذَا، وَتُلْبَسَ تَاجًا وَتَتَرَأَسَ عَلَى جَمِيعِ الأَشْرافِ.

 

فَسَجَدَ بَرْزَوَيْهِ لِلْمَلِكِ وَدَعَا لَهُ وَطَلَبَ مِنَ اللهِ وَقَالَ: أَكْرَمَ اللهُ تَعَالَى المَلِكَ كَرَامَةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَأَحْسَنَ عَنِّي ثَوَابَهُ وَجَزَاءَهُ، فَإِنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ مُسْتَغْنٍ عَن المالِ بِمَا رَزَقَنِي اللهُ عَلَى يَدِ المَلِكِ السَّعِيدِ الجَدِّ، العَظيمِ المُلْكِ، وَلَا حَاجَةَ لِي بِالمَالِ، لَكِنْ لمَّا كَلَّفَنِي المَلِكُ ذُلِكَ وَعَلِمْتُ أنَّه يَسُرُّهُ، أَنَا أَمْضِي إِلَى الخَزَائِنِ فَآخُذُ مِنْهَا طَلَبًا لِمَرْضَاتِه وامْتِثَالًا لِأَمْرِهِ. ثُمَّ قَصَدَ خِزَانَةَ الثِّيَابِ فَأَخَذَ مِنْهَا تَخْتًا [2]مِنْ طَرَائِفِ خُرَاسَانَ مِنْ مَلَابِسِ المُلُوكِ. فَلَمَّا قَبَضَ بَرْزَوَيْهِ ما اخْتَارَهُ وَرَضِيَهُ مِنَ الثِّيَابِ قَالَ: أَكْرَمَ اللهُ المَلِكَ وَمَدَّ فِي عُمُرِهِ أَبَدًا، لَا بُدَّ أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا أُكْرِمَ وَجَبَ عَلَيْهِ الشَّكْرُ، وَإِنْ كَانَ قَدِ اسْتَوْجَبَهُ تَعَبًا وَمَشَقَةً فَقَدْ كَانَ فِيهِمَا رِضَا المَلِكِ. وَأَمَّا أَنَا فَمَا لَقِيتُهُ مِنْ عَنَاءِ وَتَعَب وَمَشَقَّةٍ، لِمَا أَعْلَمُ أَنَّ لَكُمْ فِيهِ الشَّرَفَ يا أَهْلَ هَذَا البَيْتِ، فَإِنِّي لَمْ أَزَلْ إِلَى هَذَا اليَوْمِ تَابِعًا رِضَاكُمْ، أَرَى العَسِيرَ فِيهِ يَسِيرًا. وَالشَّاقَّ هَيِّنًا، وَالنَّصَبَ وَالأَذَى سُرُورًا وَلَذَّةً، لِمَا أَعْلَمُ أَنَّ لَكُمْ فِيهِ رِضًا وَقُرْبَةً عِندَكُمْ. وَلكِنِّي أَسْأَلُكَ أَيُّهَا المَلِكُ حَاجَةً تُسْعِفُنِي بِهَا، وَتُعْطِينِي فِيهَا سُؤْلِي: فَإِنَّ حَاجَتِي يَسِيرَةٌ، وَفِي قَضَائِهَا فَائِدَةٌ كَثِيرَةٌ.

 

قَالَ أَنُوشِرْوَانُ: قُلْ فَكُلُّ حَاجَةٍ لَكَ قِبَلَنَا مَقْضِيَّةٌ، فَإِنَّكَ عِنْدَنَا عَظِيمٌ، وَلَوْ طَلَبْتَ مُشَارَكَتَنَا فِي مُلْكَنا لَفَعَلْنَا، وَلَمْ نَرُدَّ طَلِبَتَكَ، فَكَيْفَ مَا سِوَى ذَلِكَ؟ فَقُلْ وَلَا تَحْتَشِمْ، فَإِنَّ الأُمُورَ كُلَّهَا مبْذُولَةٌ لَكَ.

 

قَالَ بَرْزَوَيْهِ: أَيُّهَا المَلِكُ لَا تَنْظُرْ إِلَى عَنَائِي فِي رِضَاكَ وَانْكَماشِي فِي طَاعَتِكَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُكَ يَلْزَمُنِي بَذْلُ مُهْجَتِي فِي رِضَاكَ، وَلَوْ لَمْ تَجْزِنِي لَمْ يَكُنْ ذلِكَ عِنْدِي عَظِيماً وَلَا واجبًا عَلَى المَلِكِ، وَلكِنْ لِكَرَمِهِ وَشَرَف مَنصِبِهِ عَمَدَ إِلَى مُجَازَاتِي، وخَصَّنِي وَأَهْلَ بَيْتِي بِعُلُوِّ المَرْتَبَةِ وَرَفْعِ الدَّرَجَةِ، حَتَّى لَوْ قَدَرَ أنْ يَجْمَعَ لَنَا بَينَ شَرفِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَفَعَل. فَجَزَاهُ اللهُ عَنا أَفْضَلَ الجَزَاءِ.

 

قَالَ أَنُوشِرْوَانُ: اذْكُرْ حَاجَتَكَ، فَعَلَيَّ مَا يَسُرُّك.

 

فَقَالَ بَرْزَوَيْهِ: حَاجَتِي أَنْ يَأْمُرَ المَلِكُ، أَعْلَاهُ اللهُ تَعَالَى، وَزِيْرَهُ بُزُرْجَمِهرَ بنَ الْبَخْتَكَانِ، وَيُقْسِمَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْمِلَ فِكْرَهُ، وَيَجْمَعَ رَأْيَهُ، وَيَجْهَدَ طَاقَتَهُ، وَيُفْرِغَ قَلْبَهُ فِي نَظْم تَأْلِيفِ كَلَامٍ مُتْقَنٍ مُحْكَمٍ، وَيَجْعَلَهُ بَابًا يَذْكُرُ فِيهِ أَمْرِي وَيصِفُ حَالِي، ولا يَدَعُ مِنَ المُبَالَغَةِ فِي ذلِكَ أَقْصَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. وَيَأْمُرُهُ إِذَا اسْتَتَمَّهُ أَنْ يَجْعَلَهُ أَوَّلَ الأَبْوَابِ الَّتِي تُقْرَأْ قَبْلَ بَابِ الأَسَدِ وَالثَّوْرِ، فَإِنَّ المَلِكَ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ بَلَغَ بِي وَبِأَهْلِي غَايَةَ الشَّرَفِ وأعْلَى المَرَاتِبِ، وَأبْقَى لَنَا مَا لَا يَزَالُ ذِكرُهُ بَاقِيًا عَلَى الأَبَدِ حَيْثُمَا قُرِئَ هذا الكِتَابُ.

 

فَلَمَّا سَمِعَ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانُ وَالعُظَمَاءُ مَقَالَتَهُ وَمَا سَمَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ مِنْ مَحَبَّةِ إِبْقَاءِ الذِّكْرِ اسْتَحْسَنُوا طَلِبَتَهُ وَاخْتِيَارَهُ.

 

وَقَالَ كَسْرَى: حُبًّا وَكَرَامَةً لَكَ يَا بَرْزَوَيْهِ، إِنَّكَ لَأَهْلٌ أَنْ تُسْعَفَ بِحَاجَتِكَ، فَمَا أَقَلَّ مَا قَنِعْتَ بِهِ وَأَيْسَرَهُ عِنْدَنَا! وَإِنْ كَانَ خَطَرُهُ عِندَكَ عَظِيمًا.

 

ثُمَّ أَقْبَلَ أَنُوشِرْوَانُ عَلَى وَزِيرِهِ بُزُرْجَمِهْرَ فَقَالَ لَهُ: قَدْ عَرَفْتَ مُنَاصَحَةَ بَرْزَوَيْهِ لَنَا، وَتَجَشَمَهُ المُخَاوِفَ وَالمُهَالِكَ فِيمَا يُقَرِبُهُ مِنَا، وَإِتْعَابَهُ بَدَنَهُ فِيمَا يَسُرُّنَا، وَمَا أَتَى بِهِ إِلَيْنَا مِنَ المَعْرُوفِ، ومَا أَفَادَنَا اللهُ عَلَى يَدِهِ مِنَ الحَكمَةِ وَالأدَبِ البَاقِي لَنَا فَخْرُهُ، وَمَا عَرَضْنَا عَلَيْهِ مِنْ خَزَائِنِنَا لِنَجْزِيَهُ بِذَلِكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ، فَلَمْ تَمِلْ نَفْسُهُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ بُغْيَتُهُ وَطَلِبَتُهُ مِنَّا أَمْرًا يَسِيرًا رَآهُ هُوَ الثَّوَابَ مِنَّا لَهُ وَالكَرَامَةَ الجَلِيلَةَ عِنْدَهُ، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَتَكَلَّم في ذَلِكَ وَتُسْعَفَهُ بِحَاجَتِهِ وَطَلِبَتِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَسُرُّنِي، وَلَا تَدَعْ شَيْئًا مِنَ الاجْتِهَادِ وَالمُبَالَغَةِ إِلا بَلَغْتَهُ، وإِنْ نَالَتْكَ فِيه مَشَقَةٌ، وَهُوَ أَنْ تَكْتُبَ بَابًا مُضَارِعًا لِتِلْكَ الأَبْوابِ الَّتِي في الكِتَابِ، وَتَذْكُرَ فِيهِ فَضْلَ بَرْزَوَيْهِ، وَكَيْفَ كَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِهِ وَشَأْنُهُ، وَتَنْسُبَهُ إِلَيْهِ وَإِلَى حَسَبِهِ وَصِنَاعَتِهِ، وَتَذْكُرَ فِيهِ بعْثَتَهُ إِلَى بِلَادِ الهِنْدِ فِي حَاجَتِنَا، وَمَا أَفَدْنَا عَلَى يَدَيْهِ مِنْ هُنَالِكَ، وَشُرِّفْنَا بِهِ وَفَضَّلْنَا عَلَى غَيْرِنَا، وَكَيْفَ كَانَ حَالُ بَرْزَوَيْهِ وَقَدُوْمُهُ مِنْ بِلَادِ الهِنْدِ، فَقُلْ مَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّقْرِيظِ وَالإِطْنَابِ فِي مَدْحِهِ، وَبَالِغْ فِي ذلِكَ أَفْضَلَ المُبَالَغَةِ وَاجْتِهَدْ فِي ذلِكَ اجْتِهَادًا يَسُرُّ بَرْزَوَيْهِ وَأَهْلَ المَمْلَكَةِ، وَإِنَّ بَرْزَوَيْهِ أَهْلٌ لِذلِكَ مِنِّي وَمِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الممْلَكَةِ وَمِنْكَ أَيْضًا لِمَحَبَّتِكَ لِلْعُلُومِ. وَاجْهَدْ أَنْ يَكُونَ غَرَضُ هَذَا الكِتَابِ الَّذِى يُنْسَبُ إِلَى بَرْزَوَيْهِ أَفْضَلَ مِنْ أَغْرَاضِ تِلْكَ الأَبْوَابِ عِندَ الخَاصِّ وَالعَامِّ، وَأَشَدَّ مُشَاكَلَةً لِحَالِ هَذَا العِلْمِ، فَإِنَّكَ أَسْعَدُ النَّاسِ كُلِّهِم بِذلِكَ، لِانْفِرَادِكَ بِهَذَا الكِتَابِ، وَاجْعَلْهُ أَوَّلَ الأَبْوَابِ. فَإِذَا أَنْتَ عَمِلْتَهُ وَوَضَعْتَهُ في مَوْضِعِهِ فَأَعْلِمْنِي لِأَجْمَعَ أَهْلَ المَمْلَكَةِ وَتَقْرَأَهُ عَلَيْهِمْ، فَيَظْهَرَ فَضْلُكَ واجْتِهَادُكَ فِي مَحَبَّتِنَا، فَيَكُونَ لَكَ بِذلكَ فَخْرٌ. فَلَمَّا سَمِعَ بُزُرْجِمْهِرُ مقالَةَ المَلِك خَرَّ لَهُ سَاجِدًا، وَقَالَ: أَدَامَ اللَهُ لَكَ أَيُّهَا المَلِكُ البَقَاءَ، وَبَلَّغَكَ أَفْضَلَ مَنَازِلِ الصَّالِحِينَ فِي الآخِرَةِ وَالأُولَى، لَقَدْ شَرَّفْتَنِي بِذلِكَ شَرَفًا بَاقِيًا إلَى الأَبَدِ. ثُمَّ خَرَجَ بُزُرْجِمْهِرُ مِنْ عِنْدِ المَلِكِ، فَوَصَفَ بَرْزَوَيْهِ مِنْ أَوَّلِ يَوْم دَفَعَهُ أَبَوَاهُ إلى المُعَلِّمِ، وَمُضِيَّهُ إِلَى بِلَادِ الهِنْدِ فِي طَلَبِ العَقَاقِيرِ وَالأدْوِيَةِ، وَكَيْفَ تَعَلَّمَ خُطُوطَهُمْ وَلُغَتَهُمْ، إِلَى أَنْ بَعَثَهُ أَنُوشِرْوَانُ إِلَى الهِنْدِ فِي طَلَبِ الكِتَابِ. وَلَمْ يَدَعْ مِنْ فَضَائِلِ بَرْزَوَيْهِ وَحَكَمَتِهِ وَخَلَائِقِهِ وَمَذْهَبِهِ أَمْرًا إِلَّا نَسَّقَهُ، وَأَتَى بِهِ بِأَجْوَدِ مَا يَكُونُ مِنَ الشَّرْحِ. ثُمَّ أَعْلَمَ المَلِكَ بِفَرَاغِهِ مِنْهُ. فَجَمَعَ أَنُوشِرْوَانُ أَشْرَافَ قَوْمِهِ وَأَهْلَ مملَكَتِهِ، وَأَدْخَلَهُمْ إِلَيْهِ، وَأَمَرَ بُزُرْجَمِهْرَ بِقِرَاءَةِ الكِتَابِ وبَرْزَوَيْهِ قَائِمٌ إِلَى جَانِبِ بُزُرْجَمِهرَ، وَابْتَدَأَ بِوَصْفِ بَرْزَوَيْهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى آخِرِهِ. فَفَرِحَ المَلِكُ بِمَا أَتَى بِهِ بُزُرجَمِهْرُ مِنَ الحكمةِ وَالعِلمِ. ثم أَثْنَى المَلِكُ وَجَمِيعُ مَن حَضَرَهُ عَلَى بُزُرْجَمِهْرَ، وَشَكَرُوهُ وَمَدَحُوهُ، وَأَمَرَ لَهُ الملِكُ بِمَالٍ جَزِيلٍ وَكُسْوَةٍ وَحُلِيٍّ وَأَوَانٍ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا غَيْرَ كُسْوَةٍ كَانَتْ مِنْ ثِيَابِ المُلُوكِ. ثُمَّ شَكَرَ لَهُ ذَلِكَ بَرْزَوَيْهِ وَقَبَّلَ رَأْسَهُ وَيَدَهُ.

 

وَأَقْبَلَ بَرْزَوَيْهِ عَلَى المَلِكِ وَقَالَ: أَدَامَ اللهُ لَكَ المُلْكَ وَالسَّعَادَةَ فَقَدْ بَلَغْتَ بِي وَبِأَهْلِي غَايَة الشِّرَفِ بِمَا أَمَرْتَ بِهِ بُزُرْجَمِهْرَ مِنْ صُنْعِهِ الكِتَابَ فِي أَمْرِى وَإِبْقَاءِ ذِكْرِي.

 

 

[1] لأنه كتاب أخلاق وأدب وسياسة وحكمة وكل ذلك يحتاجه الإنسان والجماعات متى كانت في فترة عن الأنبياء والرسل

 

[2] وعاء تُصان فيه الثياب

الحُسَيْنُ بن حَيْدَر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى