الذكرى الستون لرحيل رجل الدنيا والآخرة..الشيخ عبد الله بن الشيخ سيدي باب “فيديو”

تحل اليوم الذكرى الستون لرحيل عَلامَة عصره، وفريد دهره، وقدوة زمانه، بقية السّلف، وعماد الْخلف، أوحد عصره فِي الورع والعلم والخلق والفضل والجود والمعروف، المصلح الاجتماعي الكبير: الشيخ عبد الله بن الشيخ سيدي باب رحمهما الله.
مناسبة تستحق أن نتوقف عندها ونتذكر مسيرته الحافلة بالعطاء والتضحية من أجل المجتمع.
لقد كان مرجعًا في المشكلات، وعمدة في المعضلات، ومثالاً يحتذى به في الكرم والجود والنبل والإيثار والحكمة والشهامة والعدل وصنائع المعروف التي لا تعد ولا تُحصى في كل مجالات الحياة، ودروب الخير.
عبد الإله الخالص المحض الذي *** أربى على الحكماء والحكام
تتضاءل العظماء تحت جلاله *** في مهنة الوزراء والخدام
فإذا استهل هلال عبد الله في *** أفق السعادة والهناء السام
لم يبق من نصب ولا وصب ولا *** هم ولا حزن وقرح دام
وإذا أتى عبد الإله استيقظت *** وجفت كراها أعين النوام
وأفاقت الأغمار من سکراتها *** وأرم كل منافق نمام
هو بدر الفضلاء، وتاج الكرماء، وفخر الأتقياء، حسنة من حسنات البلاد، وغرة مضيئة في جبينها، ملأ الوجود نيله، واستولى أدوات الكمال فضله، وحلّقت مكارمه في سماء المفاخر، وطرّرت مآثره أعلام الكرم السّائر، واستنفدت فضائله أواخر المحابر، وزانت أوصافه متون الدّفاتر، وروى محاسنه كلّ باد وحاضر، واقتفى ميامنه كلّ ناه وآمر، واشتهرت محاسنه على كل لسان، وسارت مآثره مسير الشمس بكل مكان:
على ماجد جلت مآثره الَّتِي *** لَهَا فِي قُلُوب العارفين مواقع
عُلُوم وأخلاق كرام وسؤدد *** وجود ومجد باذخ وتواضع
وزهد وإيثار وتقوى وعفة *** وَتلك سجايا حازها وهو يافع
هُوَ الحبر أما المشكلات فَحلهَا *** يسير لَدَيْهِ وَهُوَ فِي الْحل بارع
وليقف من لم يدركه على مناقبه الجميلة، ويشاهد بعض مآثره الحميدة، وإصلاحاته الجليلة، وما زالت مناقب الأئمة تجلو وتذكر، وتذاع وتنشر.
لم يكن الشيخ عبد الله مصلحا نظرياً فحسب، بل كان عملياً يلتزم بتنفيذ رؤاه على أرض الواقع، يتفقد الأمور، ويجلس للمسائل، يغشاه الناس، مستمعًا إلى مشاكلهم واقتراحاتهم، فيسألونه، لا يسأله أحد فيرده، كبرت حاجته أو صغرت.
وكان يباشر الأمور بنفسه ولا يركن إلى أحد، وكان كثيرا ما يتستر بالليل ويرسل الأعطيات والصدقات إلى الفقراء والمحتاجين والأيتام، وعم جميع المستحقين بالعطاء، وكان الفقراء يدعون له بكل مكان.
ومن خلال حكمته وإصراره وعمله الدؤوب، تمكن من تحقيق العديد من الإنجازات التي لا تزال تؤثر على حياة الناس حتى اليوم.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (سَبْعٌ يَجْرِي لِلْعَبْدِ أَجْرُهُنَّ بَعْدَ مَوْتِهِ وَهُوَ فِي قَبْرِهِ مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا أَوْ أَجْرَى نَهْرًا أَوْ حَفَرَ بِئْرًا أَوْ غَرَسَ نَخْلا أَوْ بَنَى مَسْجِدًا أَوْ وَرَّثَ مُصْحَفًا أَوْ تَرَكَ وَلَدًا يَسْتَغْفِرُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ). رواه البيهقي وابن حبان.
على ذلك النهج الوضاء سار الشيخ عبد الله فحفر آبارا كثيرة، وبنى مساجد عديدة، وأحيا الأراضي الموات، وأسس قرى ومدارس ومعاهد.
حفر الآبار في عين السلامة والربيع ولمجومم والقبه والمبروك، كما حفر بئر الكوثر الموجودة قرب مسجد لحواش وغيرها من الآبار الأخرى.
أسس معهد أبي تلميت للعلوم الإسلامية والعربية سنة 1956م، فكان منارة شامخة للعلم والمعرفة، ووجهة لطلاب العلم من كل الأقاليم المجاورة، درس فيه علماء أفذاذ، وتخرج منه العلماء والأدباء والكتاب والمثقفون والساسة والمفكرون، فكان حسنة من حسنات الشيخ عبد الله رحمه الله.
كما أسس مدارس أخرى.
قام الشيخ عبد الله أثناء حجه سنة 1944م بإصلاح عطل في عين زبيدة في مكة المكرمة، وأصلح العين الزرقاء بالمدينة المنورة، وتبرع لجهات كثيرة، كل ذلك كان من ماله الخاص.
كان نادرة زمانه في فعل الخير، وافتقاد المستورين بالبر، ودوام الصّدقة، والنفقة على أهل العلم، والقيام بأمورهم، والتحمل بمؤنهم، والاهتمام بما عاد من مصالحهم.
من مواقفه العظيمة وإنجازاته القيمة ما فعله سنة 1943م حينما وقعت في بعض مناطق موريتانيا شدة وغلاء وجفاف ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، ولم يجد الناس ما يلبسون فسمى الناس ذلك العام عام الشدة أو عام الهوفه، وقد جمعت المقادير على الناس في موريتانيا جفافٌ جارف، وموتان في الأنعام، وتوقف التجارة، فزاغت أبصار السكان، وبلغت قلوبهم الحناجر. وقد تحدث بعض كبار السن ممن عرف تلك السنة، وأصابته تلك البلوى، عن أحوال رهيبة تنحبس بها الأنفاس، وتشيب لها الولدان.
لكن الشيخ عبد الله أعد العدة، وأخذ للأمر أُهْبته، فانتهج سياسة اقتصادية حكيمة، وأدار الأمور إدارة مدروسة، فكان يشرف بنفسه على توزيع الأقمشة والمواد الغذائية واللحوم … على الناس، وانتدب لهذه الأزمة فرقا خاصة من الرجال والنساء، تتولى حمل هذه المواد إلى مستحقيها داخل قريته عين السلامة والقرى المجاورة وغيرها، وكانت المؤن والمساعدات تصل تباعا إلى الفقراء والمحتاجين والمتضررين.
حتى مرت الأزمة والشدة بسلام على المناطق التي كانت تصلها إمداداته، ولم تسجل إلا حالات يسيرة من تبعات الأزمة، وامتد عطاؤه، واتسع نطاق معروفه، فلم ينقطع شيء مما كان يقوم به من ذلك ولم يتوقف حتى توفي رحمه الله تعالى بقرية عين السلامة سنة 1384هـ، الموافق مثل هذا اليوم 04 نفمبر 1964م، عن عمر ناهز 76 سنة.
رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.
وله في البذل والمعروف وغيرهما آثار مشهورة وكثيرة، معلومة لدى العامة والخاصة، يضيق المجال عن حصرها:
يا طالبا درر المعالي بالنّهى *** جيء فاغترف من درّه المتسدّد
هذا سراج النّور يسطع نوره *** في ريّة فاعمد إليه واقصد
تلق الفضائل والمكارم والنّدى *** وسنا المعالي جمّعت في أوحد
نحن نحيي ذكراه اليوم ليس فقط لتكريم إنجازاته، ولكن أيضًا للتأكيد على أن روحه الحية وأفكاره لا تزال تلهمنا لتحقيق المزيد من التقدم والإصلاح، إن تذكير أنفسنا بإرثه الضخم يعد دافعًا لنا لمواصلة العمل من أجل مجتمع أفضل وأكثر عدالة.
إسحاق بن موسى بن الشيخ سيدي



