حرية التعبير تحترق في غزة… والغرب يتفرج!

في مشهد يجسد بشاعة الاستهداف، اشتعل جسد الصحفي الفلسطيني أحمد منصور حيا أمام مرأى العالم، بعدما قصفت قوات الاحتلال الإسرائيلي خيمة مخصصة للصحفيين بالقرب من مستشفى ناصر في خانيونس جنوب قطاع غزة، رغم وضوح هوياتهم الصحفية وتمييز أماكن تواجدهم. هذه الجريمة لم تكن الأولى، ولن تكون الأخيرة، ضمن مسلسل ممنهج من الاعتداءات الإسرائيلية على الصحافة الفلسطينية، في محاولة لإسكات صوت الحقيقة.
استهداف ممنهج لا أخطاء عشوائية
منذ بداية العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، لم تتوقف آلة القتل الصهيونية عن توجيه نيرانها نحو الصحفيين. ووفقا لتقارير مؤسسات حقوق الإنسان ومتابعات نقابة الصحفيين الفلسطينيين، فقد قتل أكثر من 130 صحفيا منذ السابع من أكتوبر 2023 حتى إبريل 2024 فقط، وهو عدد يفوق أي حصيلة سجلتها أي حرب ضد الإعلاميين في القرن الحادي والعشرين.
أبرز الإحصاءات:
عدد الشهداء الصحفيين: 130+ في أقل من سبعة أشهر.
الصحفيون المصابون بجروح خطيرة: أكثر من 200.
مكاتب إعلامية مدمرة بالكامل: 70+ مكتبًا وصحيفة وقناة.
الصحفيون المعتقلون في سجون الاحتلال: أكثر من 30 صحفيًا، بينهم نساء.
وهذه الأرقام تتحدث عن سياسة ممنهجة، وليست نتائج عرضية لما يسمى بـ”حرب”.
لماذا تستهدف إسرائيل الصحفيين؟
في زمن القرية الكونية الواحدة، لم يعد من الممكن طمس الحقيقة. وسائل التواصل، الهواتف، الكاميرات، وشبكات الإعلام الحرة، كلها تجعل من كل صورة وفيديو دليلا جنائيا لا يمكن إنكاره. لهذا، فإن هدف الاحتلال واضح: إسكات شهود العيان، ومحاولة قتل الصوت قبل أن يوصل الحقيقة للعالم.
الصحفي الفلسطيني لا يحمل سلاحا، بل كاميرا وقلم، لكنه بات يعد هدفا عسكريا بالنسبة لآلة القتل الإسرائيلية. الاحتلال يريد طمس صور جثث الأطفال تحت الركام، وصراخ الأمهات، وقصف المستشفيات، وتدمير البيوت فوق رؤوس ساكنيها.
القانون الدولي.. واضح ولكن مغيب
المادة (79) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف تنص بوضوح على أن:
يجب أن يعتبر الصحفيون الذين يؤدون مهمات مهنية خطرة في مناطق النزاعات المسلحة كأشخاص مدنيين، ويجب حمايتهم بهذه الصفة بموجب أحكام الاتفاقيات.
كما تنص المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على:
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير… ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون تدخل واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأي وسيلة كانت، دونما اعتبار للحدود.
إذن، فاستهداف الصحفيين يعد جريمة حرب، وهو خرق واضح وصريح لكل الأعراف والمواثيق الدولية التي تحمي الصحافة والمدنيين.
ازدواجية المعايير الغربية: حرية التعبير انتقائية
كثيرا ما تباهى الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، بحرية التعبير كأحد أبرز منجزات الحضارة الحديثة. لكن حين تعلق الأمر بضحايا الصحافة في غزة، صمت الجميع. بل وتورط البعض بدعم آلة القتل الإسرائيلية سياسيا، عسكريا، وإعلاميا.
لقد سقط القناع، وتبين أن حرية التعبير التي يتحدثون عنها ليست سوى شعارا مجوفا لا يطبق إلا حين يخدم مصالحهم. فلو لم يكن لإسرائيل هذا الغطاء السياسي والإعلامي والدبلوماسي الغربي، لما تجرأت على قتل الصحفيين تماما كما تجرأت على قتل الأطفال والنساء والشيوخ.
ولكن هيهات هيهات…
رغم كل ذلك، فإن صوت الحقيقة لا يموت. الصحفي أحمد منصور وغيره من الشهداء الإعلاميين، تحولوا إلى رموز للمقاومة الإعلامية. وفي عصر الإنترنت، لم يعد بإمكان الاحتلال حجب الحقيقة. الصورة أصبحت أقوى من الرصاصة، والحقيقة أسرع من الصاروخ، ودماء الصحفيين ستظل لعنة تلاحق القتلة.
خاتمة:
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تقع على عاتقنا مسؤولية كسر الحصار الإعلامي، وفضح جرائم الاحتلال. ليس فقط دعما للصحافة الحرة، بل دفاعا عن الحق الإنساني الأساسي في نقل الحقيقة. أحمد منصور لم يمت، بل اشتعل نورا ليكشف لنا الوجه الحقيقي لإسرائيل، ولمن يقف خلفها.
بقلم: محمد سالم ولد المختار الشيخ




