من النووي إلى التجويع.. جرائم إسرائيل في غزة بين الفاشية الدينية والهمجية العسكرية

في التاريخ المعاصر، لم تشهد الإنسانية نموذجا للانحطاط الأخلاقي كما تشهده اليوم في الكيان الصهيوني، حيث تحولت الدولة المزعومة “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” إلى نموذج صارخ للهمجية المنظمة التي تتنكر لكل القيم الدينية والأخلاقية والقانونية. حرب غزة التي بدأت في أكتوبر 2023 كشفت عن وحشية لا حدود لها، حيث تجاوزت إسرائيل كل الخطوط الحمراء في تعاملها مع المدنيين العزل، من استخدام التجويع كسلاح، إلى التعذيب المنهجي للأسرى، وصولا إلى الدعوات الصريحة للإبادة الجماعية باستخدام الأسلحة النووية .
الفصل الأول: قيادة فاشية تقود إلى الهاوية
يقود إسرائيل اليوم تحالف من المتطرفين الدينيين والعنصريين الذين تجردوا من أي شعور إنساني، حيث يجسد وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير التراث عميحاي إلياهو أسوأ ما يمكن أن تنتجه العقلية الصهيونية من حقد وعنصرية. بن غفير، الذي بدأ حياته السياسية كمتطرف عنيف يدعو لقتل الفلسطينيين، لم يتردد في ممارسة أبشع أنواع السادية ضد الأسرى الفلسطينيين، حيث أشرف شخصيا على عمليات تعذيب منهجية تشمل الحرمان من الغذاء والدواء، والضرب المبرح، والإذلال الجنسي، والاحتجاز في ظروف لا إنسانية . أما إلياهو فقد تجاوز كل الحدود عندما دعا صراحة إلى استخدام القنبلة النووية ضد غزة، معتبرا أن “غزة لا يجب أن تبقى على وجه الأرض” .
هذه الدعوات لم تكن صادرة عن مجهولين، بل عن وزراء في حكومة تدعي التمدن، مما يؤكد أن الإرهاب أصبح سياسة دولة في إسرائيل، وليس مجرد تصرفات فردية. تصريحات إلياهو النووية لم تكن الوحيدة، فقد سبقه الحاخام الأمريكي الإسرائيلي يوسي بالتيل الذي دعا إلى “إبادة سكان غزة” مستشهدا بقنبلة هيروشيما كـ”نموذج ناجح” . بل إن عضو الكنيست السابق موشيه فيغلين نشر صورة لهيروشما بعد القصف النووي وكتب: “كم عدد الجنود الأمريكيين الذين قتلوا في معركة هيروشيما؟” ، في إشارة واضحة إلى أن القتل الجماعي للمدنيين وسيلة مشروعة في العقيدة الصهيونية.
الفصل الثاني: حرب غزة – جرائم لا تسقط بالتقادم
1. التجويع كسلاح حرب
منذ اليوم الأول للحرب، فرضت إسرائيل حصارا كاملا على غزة، منعت بموجبه دخول الغذاء والدواء والوقود، متحولة بذلك إلى قوة احتلال تستخدم التجويع كسلاح حرب، وهو ما يعد جريمة حرب بموجب القانون الدولي. وفقا لتقارير الأمم المتحدة، فإن أكثر من 2 مليون فلسطيني في غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع انتشار المجاعة بين الأطفال وكبار السن . لقد حولت إسرائيل غزة إلى سجن مفتوح، حيث يتمتع الجنود الإسرائيليون بحق الحياة والموت على السكان العزل، بينما يموت الأطفال جراء الجوع ونقص الأدوية.
2. القصف العشوائي والاستهداف المتعمد للمدنيين
بلغ عدد ضحايا الحرب في غزة أكثر من 64,695 شهيدا، بينهم 17,954 طفلا و12,365 امرأة . هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل هي دليل على سياسة التدمير المتعمد التي تنتهجها إسرائيل. لقد استهدفت المدارس والمستشفيات والمساجد والملاجئ الآمنة، في سابقة لم تشهدها الحروب الحديثة بهذا الحجم. مجزرة مستشفى المعمداني، ومجزرة دوار النابلسي، ومجزرة مخيم تل السلطان، ومقتل الطفلة هند رجب (5 سنوات) ليست سوى أمثلة قليلة على فظائع لا يمكن تبريرها بأي حال .
3. التعذيب المنهجي للأسرى
كشفت تقارير حقوقية عن ممارسات تعذيب ممنهج ضد الأسرى الفلسطينيين، حيث يتعرضون للضرب المبرح، والصعق الكهربائي، والحرمان من النوم، والاعتداءات الجنسية. بن غفير أشرف شخصيا على العديد من عمليات التعذيب هذه، حيث يرى في الأسرى مجرد “أدوات” للانتقام وإشباع نزواته السادية . الأسرى المرضى يحرمون من العلاج الطبي، والنساء الأسيرات يتعرضن للتحرش والاغتصاب، بينما يجبر الرجال على البقاء عراة في ظروف مناخية قاسية.
الفصل الثالث: التطهير العرقي والتهجير القسري
لا تقتصر الجرائم الإسرائيلية على القتل والتجويع، بل تمتد إلى محاولات التطهير العرقي عبر التهجير القسري. وزيرة حماية البيئة الإسرائيلية عيديت سيلمان صرحت بأن “الحل الوحيد لغزة هو الترحيل الكامل لسكانها” ، بينما دعا بن غفير إلى “إعادة استيطان اليهود في قطاع غزة” . هذه الدعوات ليست مجرد تصريحات، بل تترجم على الأرض عبر سياسة التدمير الشامل التي تجعل الحياة في غزة مستحيلة، بهدف دفع السكان إلى الهجرة القسرية.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعم علنا هذه الخطط، حيث روج لمخطط تهجير الفلسطينيين من غزة إلى دول مجاورة مثل مصر والأردن . هذه السياسة التطهيرية تذكرنا بأحلك فترات التاريخ، حيث كانت الجماعات العنصرية تحاول إفراغ الأرض من سكانها الأصليين لتحل محلهم.
الفصل الرابع: الخلفية الدينية للهمجية الإسرائيلية
الكثيرون يتساءلون: كيف يمكن لدولة تدعي التحضر أن ترتكب كل هذه الفظائع؟ الإجابة تكمن في الخلفية الدينية المتطرفة التي تغذي القيادة الإسرائيلية. كما أوضح المحلل السياسي صالح النعامي، فإن “العامل الديني في تشجيع الجيش الإسرائيلي على تدمير كل شيء هو نتاج تغلغل وارتقاء أتباع الصهيونية الدينية في مناصب رفيعة في الجيش الإسرائيلي” .
الفتاوى الدينية اليهودية المتطرفة تلعب دورا رئيسيا في تبرير الجرائم، حيث يوجد “فتاوى تجيز قتل الأجنة في بطون أمهاتهم، كي لا يولدوا ويكبروا ويقاتلوا إسرائيل” . أستاذ العلوم السياسية وليد المدلل يؤكد أن “الفكر الديني اليهودي يدعو إلى عدم التهاون مع ‘الأغيار’، استنادا إلى نصوص دينية، وفتاوى حاخامات تدعو قادة الجيش إلى قتل الفلسطينيين” .
هذه العقيدة الدينية المتطرفة تفسر الدعوات إلى استخدام الأسلحة النووية، حيث يرى الكثيرون في القادة الإسرائيليين أن “قتل الفلسطينيين وتدمير ممتلكاتهم واجب ديني ووطني مهم من أجل المحافظة على بقاء إسرائيل” .
الخاتمة: إسرائيل – خطر على الإنسانية
حرب غزة كشفت عن حقيقة إسرائيل كدولة لا تعترف بأي معايير أخلاقية أو قانونية. من دعوات استخدام الأسلحة النووية، إلى التهجير القسري، والتعذيب المنهجي، والتجويع الجماعي، كلها ممارسات تضع إسرائيل خارج نطاق الحضارة الإنسانية. القيادة الإسرائيلية اليوم تمثل نموذجا للفاشية الحديثة، حيث يتم توظيف الدين كغطاء لأبشع الجرائم.
الشعب الفلسطيني في غزة، رغم كل المعاناة، يقدم نموذجا للإصرار والصمود في وجه آلة إبادة لا تعرف الرحمة. التاريخ سيتذكر أن شعبا أعزل واجه بأجساده العارية أقوى الآلات العسكرية المدعومة من القوى العظمى، وسيبقى نموذجا للإنسانية في وجه الهمجية.
في النهاية، السؤال الذي يطرح نفسه: كم من الوقت ستصمت الضمائر العالمية أمام هذه الجرائم؟ وكيف يمكن للعالم أن يتغاضى عن دولة تدعو علنا للإبادة الجماعية وتستخدم التجويع كسلاح حرب؟ إسرائيل اليوم لم تعد تشكل خطرا على الفلسطينيين فقط، بل على القيم الإنسانية بأكملها.
بقلم: محمد سالم المختار الشيخ




