بين العفوية والرمزية الاجتماعية.. جدل واسع بعد تداول صورة عناق ولد التاه وعيساتا لام

أثارت صورة التُقطت خلال لحظة إعلان فوز الدكتور سيدي ولد التاه بمنصب رئيس مجموعة البنك الإفريقي للتنمية، والتي ظهر فيها وهو يعانق مديرة وكالة ترقية الاستثمار عيساتا لام، جدلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي في موريتانيا، بين من رأى في الصورة لحظة إنسانية تعبّر عن الفرح، ومن اعتبرها خروجًا صريحًا عن القيم والأعراف السائدة في بلد يُعرف بطابعه المحافظ.

الصورة، التي التُقطت فيما يبدو بلحظة عفوية من الفرحة الوطنية، أظهرت عناقًا حارًا بين المسؤولين، وهو ما رأى فيه بعض النشطاء تجسيدًا للتلاحم الوطني والانفعال الصادق بنجاح موريتاني كبير على الساحة الإفريقية، بينما اعتبره آخرون تصرفًا غير مبرر، ومنافياً لأبسط قواعد الذوق العام في مجتمع لا يزال فيه التلامس الجسدي بين الرجال والنساء، خصوصًا في الفضاءات العامة، أمرًا مستهجنًا ومحظورًا عرفًا ودينًا.

فرحة وطنية أم تجاوز اجتماعي؟

أصحاب الرأي الأول يرون أن ما حدث لا ينبغي تحميله ما لا يحتمل، بل يجب أن يُقرأ في سياقه الطبيعي: لحظة انتصار لموريتانيا في مؤسسة مالية إفريقية مرموقة، قادها شعور جماعي بالبهجة والاعتزاز، وأن “الصورة تُجسد التنوع الموريتاني وتُعلي من قيمة الانتصار الوطني على الاعتبارات الشكلية أو الفئوية”.

في هذا الإطار، تمت الإشادة بعيساتا لام وسيدي ولد التاه كشخصيتين وطنيتين أسهمتا – كل من موقعه – في تحقيق مكسب يُحسب لموريتانيا على مستوى القارة.

انتقادات لاذعة واستدعاء للقيم

في الجهة المقابلة، جاءت ردود الفعل أكثر حدة، حيث كتب بعض النشطاء أن المشهد يُعتبر “إساءة للمجتمع الموريتاني المسلم”، وأنه “كان بالإمكان التعبير عن الفرح دون الحاجة إلى تصرف يُعد في نظر شريحة واسعة من المواطنين غير لائق” فيما ذهب آخرون إلى القول إن الحادثة تكشف عن “قناعة لدى بعض النخب بأنهم فوق الأعراف والتقاليد، وهو ما يوسع الفجوة بينهم وبين المجتمع الذي يدّعون تمثيله”.

مقارنات مع الرئيس الغزواني

بعض الأصوات على المنصات الرقمية لجأت إلى مقارنة الصورة بمشاهد سابقة ظهر فيها رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني وهو يصافح مسؤولات أجنبيات في مناسبات دبلوماسية، متسائلين: “أين تُرسم الحدود بين البروتوكول والانفلات؟ ولماذا يُنتقد البعض ويُعفى البعض الآخر؟”.

هذه المقارنات أثارت نقاشاً أعمق حول ازدواجية المعايير في تناول السلوك العام للمسؤولين، وطرحت تساؤلات عن الفرق بين التفاعل في السياق الدولي، والتصرف ضمن اللحظة الوطنية.

بين الهوية والانفتاح

ما أثارته هذه الصورة لا يتوقف عند حدود لقطة عابرة، بل يُعيد طرح إشكالية أعمق حول مكانة القيم التقليدية في مجتمع يعيش تحولات اجتماعية وثقافية متسارعة. هل يمكن للرموز الوطنية أن تعبّر عن مشاعرها خارج قوالب العرف دون أن تُتهم بتجاوز الحدود؟ أم أن التمثيل الرسمي يفرض قيودًا لا يجوز كسرها مهما كانت اللحظة؟

وبينما تستمر موجات التعليق والتفسير، يبدو أن النقاش حول هذه الصورة لن ينتهي سريعًا، لأنها – في جوهرها – ليست مجرد عناق، بل مرآة تعكس واقعًا متداخلاً بين الأصالة والانفتاح، وبين الالتزام والتمرد الرمزي في مجتمع يُعيد تشكيل صورته بين الأمس واليوم.

ديدي محمد امحمد

#أنباء_وادان

#تابعونا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى