الطائرة الصينية J-10CE.. خيار الردع الذكي لموريتانيا

ليست السيادة الوطنية في هذا العصر شعارا يرفع في المناسبات، ولا خطابا يقال فوق المنابر، بل أصبحت قوة تقاس بما تمتلكه الدول من وسائل الردع الحديثة، وما تملكه جيوشها من قدرة على حماية الأرض والسماء والثروات. فالعالم اليوم لا يعترف إلا بالأقوياء، والدول التي لا تحصن أوطانها بالتقنيات العسكرية المتطورة تظل عرضة للقلق والمفاجآت والتحديات. ومن هنا، فإن المطالبة بتطوير سلاح الجو الموريتاني لم تعد ترفا فكريا، بل أصبحت ضرورة وطنية تفرضها طبيعة المرحلة، خاصة في ظل التحولات الأمنية والعسكرية المتسارعة التي يشهدها العالم من حولنا.
وفي هذا السياق، برزت المقاتلة الصينية Chengdu J-10CE باعتبارها واحدة من أبرز الطائرات الحربية الحديثة التي أثبتت حضورها وقوتها وكفاءتها في ميادين التقييم العسكري. فهي ليست مجرد طائرة قتالية عادية، بل منظومة جوية متكاملة تجمع بين السرعة العالية، والدقة القتالية، والقدرة الكبيرة على المناورة، والتعامل مع الأهداف الجوية من مسافات بعيدة. وقد أثبتت هذه الطائرة جدارتها في المواجهة الباكستانية الهندية، حين استطاع سلاح الجو الباكستاني أن يفرض تفوقا لافتا أمام خصم يمتلك أسطولا ضخما من الطائرات الغربية المتقدمة، وهو ما جعل كثيرا من الخبراء العسكريين يعيدون النظر في موازين القوة الجوية الحديثة.
إن ما يميز هذه الطائرة هو امتلاكها تقنيات قتالية متطورة تجعلها في مصاف الطائرات الحديثة من الجيل الرابع المتقدم. فهي مزودة برادار متطور قادر على كشف الأهداف الجوية من مسافات بعيدة، كما تمتلك أنظمة حرب إلكترونية متقدمة تمنحها قدرة عالية على التشويش والحماية الذاتية. وإلى جانب ذلك، فإنها تحمل صواريخ بعيدة المدى تمنحها أفضلية في الاشتباك قبل الوصول إلى مدى المواجهة المباشرة، وهو ما يجعلها منافسا حقيقيا لكبرى المقاتلات الغربية المعروفة في العالم اليوم.
ومن هذا المنطلق، فإنني أضم صوتي بكل قوة إلى أصوات الموريتانيين المطالبين الجيش ، بقيادة رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني ، بضرورة دراسة اقتناء أسطول من هذه الطائرات الحديثة، ضمن رؤية وطنية شاملة تهدف إلى تطوير قدرات الجيش الوطني، وتعزيز سلاح الجو الموريتاني، وتمكينه من حماية الأجواء الوطنية بكل كفاءة واقتدار. فالأوطان القوية لا تنتظر الخطر حتى تستعد له، وإنما تبني قوتها في زمن الاستقرار حتى تكون جاهزة لكل الاحتمالات.
إن موريتانيا اليوم دولة تمتلك من الثروات والخيرات ما يجعلها مطالبة أكثر من أي وقت مضى ببناء قوة عسكرية حديثة تحمي تلك المقدرات الوطنية. فبلادنا تزخر بالحديد والذهب والغاز والبترول والثروة السمكية والمياه، وهذه الثروات تحتاج إلى جيش قوي يمتلك وسائل الردع الحديثة القادرة على حماية الحدود والمجال الجوي والسيادة الوطنية. فالثروة بلا قوة تحميها قد تتحول إلى باب مفتوح للأطماع، بينما القوة الواعية تشكل دائما صمام أمان للدول واستقرارها.
وللإنصاف، فإن القوات المسلحة الموريتانية تشهد منذ سنوات تطورا متواصلا على مستوى التنظيم والتكوين والتجهيز، وقد أثبت الجيش الوطني أنه مؤسسة وطنية قوية وقادرة على حماية الحوزة الترابية بكل كفاءة. كما أن العروض العسكرية والمشاركات المتميزة في الاحتفالات المخلدة لعيد الاستقلال الوطني أظهرت مستوى عاليا من الانضباط والجاهزية والتطور، سواء على مستوى القوات البرية أو البحرية أو الجوية، وهو ما يعكس حجم العمل الكبير الذي يبذل من أجل بناء جيش عصري محترف يواكب تحديات المرحلة.
غير أن طبيعة التحديات الحديثة تفرض مواصلة هذا التطور بخطوات أكثر قوة وجرأة، لأن الحروب في هذا العصر لم تعد تعتمد فقط على الجندي والسلاح التقليدي، بل أصبحت قائمة على التفوق التكنولوجي، والسيطرة الجوية، وأنظمة الرصد والكشف، والطائرات المسيرة، والصواريخ الذكية، والحرب الإلكترونية. ولهذا فإن امتلاك طائرات متطورة مثل J-10CE يشكل إضافة نوعية مهمة للقوات المسلحة الموريتانية، ويمنحها قدرة أكبر على الردع وحماية الأجواء الوطنية من أي تهديد محتمل.
إن اقتناء أسطول من هذه المقاتلات لن يكون مجرد صفقة عسكرية عابرة، بل سيكون رسالة واضحة بأن موريتانيا دولة تعرف قيمة أمنها القومي، وتدرك أن حماية السيادة الوطنية تبدأ من امتلاك أسباب القوة. كما أن هذه الخطوة ستعزز مكانة الجيش الوطني، وترفع من مستوى جاهزيته، وتؤكد أن بلادنا تسير بثبات نحو بناء منظومة دفاع حديثة ومتطورة تواكب ما يشهده العالم من تغيرات عسكرية متسارعة.
وفي النهاية، فإن الأمل كبير في أن تواصل الدولة مسيرة تحديث القوات المسلحة، وأن تظل موريتانيا قوية بجيشها، منيعة بسيادتها، قادرة على حماية أرضها وسمائها وثرواتها بكل حزم واقتدار. فالأوطان لا يحميها إلا الرجال الأقوياء، والجيوش الحديثة، والإرادة الوطنية الصلبة التي تؤمن بأن الأمن والسيادة خط أحمر لا يمكن التفريط فيه تحت أي ظرف من الظروف.
محمد سالم المختار الشيخ /نواكشوط




