اللصوص بلا خوف… فمن المسؤول؟

ما شهدناه اليوم ليس مجرد حادثة، بل صورة متكررة تنذر بالخطر، وكأننا في مجتمع يعتاد على مشاهد العنف والجرائم دون أن يحرك ساكنا. اقتحام أحد اللصوص لوكالة بنكية معروفة، بكل جرأة واستهتار، يثير تساؤلات موجعة عن حالنا اليوم: لماذا فقد اللصوص خوفهم؟ كيف أصبح الإجرام خيارا بلا تردد؟ هل هي المخدرات وحبوب الهلوسة التي تسلب الإنسان عقله؟ أم أن العقوبات الرخوة في بعض الحالات فتحت الأبواب لمن يريد الاعتداء على الآخرين دون أي خوف من العقاب؟

لا يمكن إنكار أن الدولة الموريتانية تبذل جهودا كبيرة في مجال الأمن ومكافحة الجريمة، وقد حققت في هذا المضمار إنجازات يشهد لها، من تفكيك شبكات إجرامية خطيرة، إلى ضبط كميات كبيرة من الممنوعات، وتكثيف الدوريات الأمنية في المدن والمناطق الحساسة. هذه الجهود تستحق التنويه والدعم، وهي ثمرة سياسات أمنية وعمليات ميدانية لا تتوقف.

لكن ورغم كل ذلك، تبقى تساؤلات المواطنين قائمة، لأن بعض أنواع الجرائم، خصوصا الاقتحامات الجريئة للوكالات البنكية والمنازل، بدأت تأخذ طابعا غريبا من الوقاحة والعلنية، وكأنها تتحدى المجتمع والدولة معا. هذا يطرح سؤالا جديا: ما الذي يمنح هؤلاء المجرمين هذا القدر من الجرأة؟

حين نرى لصوصا يقتحمون وكالات وسط المدن في وضح النهار، أو يداهمون منازل الآمنين، ندرك أن المسألة أكبر من مجرد حادث عابر. إنها دعوة للتفكير والتقييم والتطوير المستمر لآليات الردع والحماية، دون إنكار الجهود القائمة، بل بالبناء عليها وتعزيزها بما يلائم طبيعة التحديات المستجدة.

إن اللص، المجرم، المعتدي، لا يظهر فجأة من العدم، بل هو نتاج ثغرات مجتمعية وأمنية وتشريعية. حينما لا يخشى العقوبة، أو يظن أن بإمكانه الإفلات من العقاب، يتحول إلى تهديد مباشر للسلم الأهلي. ومن هنا، فإن الردع الحقيقي لا يكون فقط بالعقوبة، بل بمنظومة متكاملة تمنع الجريمة قبل وقوعها، وتطوق أسبابها من جذورها.

ولعل في تجارب بعض الدول دروسا نافعة يمكن تكييفها بما يلائم واقعنا:

الفلبين: الحزم الوقائي

في الفلبين، تم التعامل مع الجريمة – خاصة تلك المتعلقة بالمخدرات والاعتداءات – بمنتهى الحزم، وجرى إعلان “حرب شاملة” ضد الجريمة، مع انخراط المجتمع في جهود الإنذار المبكر والتبليغ والتعاون مع الأجهزة الأمنية. وقد أدى ذلك إلى انخفاض كبير في معدلات الجرائم، رغم التحديات الحقوقية التي واجهت بعض السياسات.

الولايات المتحدة: التشهير بالمجرمين

في الولايات المتحدة، يعتمد على التشهير القانوني والإعلامي بالمجرمين، بحيث تنشر أسماؤهم وصورهم وجرائمهم في سجلات علنية ومواقع حكومية، مما يجعل من العودة للجريمة قرارا مكلفا اجتماعيا. هذا الإجراء ساهم في كسر دائرة التكرار، خاصة في الجرائم المنظمة.

الصين: الصرامة والعدالة السريعة

في الصين، تطبق العقوبات بسرعة وحزم، دون أن تترك مجالا للتراخي، خاصة في الجرائم التي تهدد استقرار المجتمع. النظام القضائي هناك يمنح الأولوية لأمن المجتمع، ويراهن على رسالة واضحة: القانون يطبق على الجميع، والردع لا يتأخر.

نحن لا نحتاج إلى نسخ هذه التجارب حرفيا، لكننا بحاجة إلى الاستفادة من جوهرها: الردع الحازم، الإعلام الواعي، التشريعات الرادعة، والمجتمع المتفاعل.

الأمن ليس مسؤولية الدولة وحدها، بل مسؤولية جماعية، ولكن الدولة هي القائد في هذا الملف، ومن واجبنا أن نعزز جهودها، وندفع معها نحو المزيد من الفعالية والصرامة في مواجهة كل من تسول له نفسه العبث بأمن الناس وممتلكاتهم.

إن اللص الذي يهاجم اليوم وكالة أو منزلا، قد يهاجم غدا حياة إنسان. والسكوت عن هذه الوقائع، أو التهوين من خطرها، هو مشاركة ضمنية في تماديها.

الرسالة واضحة:

العقوبة الصارمة، التشهير القانوني، وسرعة الحسم… هي أسلحة ردع لا بد من تفعيلها بقوة، حفاظا على هيبة الدولة، وأمان المواطن، وسكينة المجتمع.

فهل سنواصل البناء على ما تحقق وننتقل إلى مرحلة الحزم الكامل؟

أم سنبقى نراقب المشهد حتى يفقد الناس شعورهم بالأمان؟!

محمد سالم المختار الشيخ

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى