نحن نموت عطشا… وفخامته في إسبانيا!

في الوقت الذي كنت أكتب فيه – بحرقة ونزف داخلي – عن أزمة الماء في حي العلامة محمد محمود ولد الرباني”فراج الديك”وعن المأساة اليومية التي نعيشها تحت حرارة اللهيب ووطأة العطش، كان الرئيس… يعد حقيبته للسفر إلى إسبانيا!
نحن هنا نحلم بقطرة ماء… وهناك تدار اجتماعات القمة والمصافحات والابتسامات والتصريحات عن تنمية إفريقيا!
نحن نبحث عن دلو فارغ… وهم يتحدثون عن “الشراكة الذكية”.
نحن نشتري قناني المياه المعدنية لدخول المرحاض… وهم في فنادق خمس نجوم، يستعرضون إنجازات الدولة في “تحقيق أهداف التنمية المستدامة”!
أي عبث هذا؟ أي واقع هذا الذي يجعل المواطن بين نارين: العطش في النهار، والظلام في الليل، بينما أعلى سلطة في البلد في عطلة إدارية بطعم “العسل الإسباني”؟!
هل بلغ أحد فخامة الرئيس أننا وصلنا مرحلة نحتسي فيها الماء بالقطارة، ونطفئ أنفاسنا تحت مروحة لا تدور، وثلاجة لا تبرد، ومصباح لا يضيء؟
أم أن “نواكشوط الشمالية” أصبحت في تصنيف خارجي كمنطقة منكوبة لا تدخل ضمن نطاق السيادة الرئاسية؟!
الضحك هنا صار أقرب للبكاء… وربما العكس.
فحين يضطر الجار لطلب نصف لتر ماء ليغسل وجهه ويكمل صيامه، وحين يعرض عنك بائع الماء قائلا: “الماء خلص يا شيخ، روح اشرب شاي وخلاص!”… تدرك أن البلد ليس على حافة الأزمة، بل داخلها حتى النخاع.
يا سادة،
نحن لم نعد نطالب بالماء، بل نطالب “بإحساس” أن هناك من يعلم أننا موجودون، أننا بشر، لنا أفواه ولسنا تماثيل، لنا أحشاء ولسنا صناديق بريد، لنا حاجات ولسنا رسوما بيانية في تقارير دولية!
والأغرب، أن لا أحد خرج ليعتذر، لا الوزير، لا الوالي، لا المدير، لا حتى موظف صغير يتلعثم على شاشة التلفزيون!
وكأن انقطاع الماء والكهرباء صار مثل الغبار الموسمي: نفتح له صدورنا، ونتحمله لأنه “قضاء وقدر”!
سيدي الرئيس،
لو أنكم سافرتم إلى النعمة مثلا، أو روصو، لقلنا: ربما يرى الأمور عن قرب…
لكن أن تسافر بينما الناس في قلب العاصمة يموتون من أجل “دورة مياه”، فهنا بلغ الهزل أقصى درجات الجد، وبلغ الألم ذروته حتى انفجر ضاحكا من قسوته!
ختاما، لا نطلب منكم سوى أمر بسيط:
أن تعاملونا كبشر… فقط.
وأن تقروا بأن هذه البلاد لا تقاس بالمؤتمرات، بل بصرخات العطاشى في دار النعيم.
وأن تدركوا أن أصوات الناس في قاع الأحياء، أقوى من ضجيج الكاميرات في مدريد.
وإلى الله المشتكى…
من دولة صار فيها دخول المرحاض حلما مائيا، وعيش الكرامة رفاهية لا توزع إلا في نشرات الأخبار.
كتبه:
مواطن يحلم بأن يشرب كأس ماء… دون أن يسافر إلى إسبانيا!
جوال: 43634385
دار النعيم/نواكشوط الشمالية




