كَلِيْلَةٌ وَدِمْنَةٌ/اعْتَنَى بِتَنْسِيْقِ نَصِّهِ من طَبْعَةِ بُولَاق وتَصْحِيْحِها:الحُسَيْنُ بن حَيْدَر “الباب الرابع”

تَرْجَمَةُ بَرْزَوَيْهِ
قَالَ بَرْزَوَيْهِ رَأْسُ أَطِباءِ فَارِسَ، وَهُوَ الَّذِي تَولَّى انْتِسَاخَ هذَا الكِتَابِ، وَتَرْجَمَهُ مِنْ كُتُبِ الهِنْدِ: أَبِي كَانَ مِنَ المُقَاتِلَةِ، وَكَانَتْ أُمِّي مِنْ عُظَمَاءِ بُيُوتِ الزَّمَازِمَةِ. وَكَانَ مَنْشَئِي فِي نِعْمَةٍ كَامِلَةٍ، وَكُنْتُ أَكْرَمَ وَلَدِ أَبَوَيَّ عَلَيْهِمَا، وَكَانَا بِي أَشَدَّ احْتِفَاظًا مِنْ دُونِ إِخْوَتِي، حَتَّى إِذَا بلَغْتُ سَبْعَ سِنِينَ، أَسْلَمَانِي إِلَى المُؤَدِّبِ، فَلَمَّا حَذِقْتُ الكتابَةَ، شَكَرْتُ أَبَوَيَّ، وَنَظَرْتُ فِي العِلْمِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا ابْتَدَأَتُ بِهِ، وَحَرَصْتُ عَلَيْهِ، عِلْمُ الطِّبِّ، لِأَنَّي كُنتُ عَرَفْتُ فَضْلَهُ. وَكُلَّمَا ازْدَدْتُ مِنْهُ عِلْمًا ازْدَدْتُ فِيهِ حِرْصًا وَلَهُ اتَّبَاعًا. فَلَمَّا هَمَّتْ نَفْسِي بِمُدَاوَاةِ المَرْضَى، وَعَزَمْتُ عَلَى ذلِكَ آمَرْتُهَا ثُمَّ خَيَّرْتُهَا بَيْنَ الأُمُورِ الأَرْبَعَةِ الَّتِي يَطْلُبُهَا النَّاسُ، وَفِيهَا يَرْغَبُونَ وَلَهَا يَسْعَوْنَ.
فَقُلْتُ: أَيَّ هَذِهِ الخِلَالِ أَبْتَغِي فِي عِلْمِي؟ وَأَيُّهَا أحْرَى بِي فَأُدْرِكَ مِنْهُ حَاجَتِي: أَلمْاَلُ؟ أَمِ الذِّكْرُ؟ أَم اللَّذَّاتُ؟ أمِ الآخِرَةُ؟ وَكُنتُ وَجَدْتُ فِي كُتبِ الطِّبِ أَنَّ أَفْضَلَ الأَطِباءِ مَن وَاظَبَ عَلَى طِبِّهِ، لَا يَبْتَغِي إِلَّا الآخِرَةَ. فَرَأَيْتُ أَنْ أَطْلُبَ الاشْتِغَالَ بِالطَّبِّ ابْتِغَاءَ الآخِرَةِ، لِئَلَّا أَكُونَ كَالتَّاجِرِ الَّذِي بَاعَ يَاقُوتَةً ثَمِيْنَةً بِخَرَزَةٍ لَا تُسَاوِي شَيْئًا، مَعَ أَنِّي قَدْ وَجَدْتُ فِي كُتُبِ الأَوَّلِينَ أنَّ الطَّبِيْبَ الذِي يَبْتَغِى بِطِبِّهِ أَجْرَ الآخِرَةِ لَا يَنْقُصُهُ ذَلِكَ حَظَّهُ مِنَ الدُّنْيَا، وَإِنَّ مَثَلَهُ مَثَلُ الزَّارِعِ الَّذِي يَعْمُرُ أَرْضَهُ ابتغاءَ الزَّرْعِ لَا ابْتِغَاءَ العُشْبِ، ثُمَّ هِيَ لَا مَحَالَةَ نَابِتٌ فِيهَا أَلْوَانُ العُشْبِ مَعَ يَانِعِ الزَّرْعِ، فَأَقْبَلْتُ عَلَى مُدَاوَاةِ المَرْضَى ابْتِغَاءَ أَجْرِ الآخِرَةِ، فَلَمْ أَدَعْ مَرِيضًا أَرْجُو لَهُ البُرْءَ، وَآخَرَ لَا أَرْجُو لَهُ ذلِكَ، إِلَّا أَنِّي أَطْمَعُ أَن يَخِفَّ عَنْهُ بَعْضُ المَرَضِ، إِلَّا بَالَغْتُ في مُدَاوَاتِه مَا أَمْكَنَني القِيَامُ عَلَيْهِ بِنَفْسِي، وَمَن لَم أَقْدِرْ عَلَى القِيَامِ عَلَيْهِ وَصَفْتُ لَهُ مَا يُصْلِحُ، وَأَعْطَيْتُهُ مِنَ الدَّوَاءِ مَا يُعَالَجُ بِه. وَلَمْ أُرِدْ مِمَنْ فَعَلْتُ مَعَهُ ذَلِكَ جَزَاءً وَلَا مُكافَاةً، وَلَمْ أَغْبِطْ أحَدًا مِنْ نُظَرَائِي الَّذِينَ هُم دُونِي فِي العِلْمِ وَفَوْقِي فِي الجَاهِ وَالمالِ وغيرهما مِمَّا لَا يَعُودُ بِصَلاحٍ وَلَا حُسْنِ سِيْرَةٍ قَوْلًا وَلَا عَمَلاً. وَلَمَّا تَاقَتْ نَفْسِي إِلَى غِشْيَانِهِمْ وَتَمَنَّتْ مَنَازِلَهُمْ أَثْبَتُّ لَهَا الخُصُومَةَ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا نَفْسُ، أَمَا تَعْرِفِينَ نَفْعَكِ مِنْ ضُرِّكِ؟ أَلَا تَنْتَهِينَ عَنْ تَمَنِي مَا لَا يَنَالُهُ أَحَدٌ إِلَّا قَلَّ انْتِفَاعُهُ بِهِ، وَكَثرَ عَنَاؤُهُ فِيهِ، وَاشْتَدَّتْ المَؤُونَةُ عَلَيْهِ، وَعَظُمَتْ المُشَقَّةُ لَدَيْهِ بَعْدَ فِرَاقِهِ؟
يَا نَفْسِي، أما تَذْكُرِيْنَ مَا بَعْدَ هَذِهِ الدَّارِ فَيُنْسِيَكِ مَا تَشْرَهِينَ إِلَيْهِ مِنْهَا؟ ألَا تَسْتَحْيِينَ مِنْ مُشارَكَةِ الفُجَّارِ فِي حُبِّ هَذِهِ العَاجِلَةِ الفَانِيةِ الَّتِي مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ مِنْهَا فَلَيْسَ لَهُ، وَلَيْسَ بِبَاقٍ عَلَيْهِ، فلا يألفُهَا إِلَّا المُغْتَرُّونَ الجَاهِلُونَ؟
يَا نَفْسُ انْظُرِي فِي أَمْرِكِ، وَانْصَرِفِي عَنْ هَذَا السَّفَهِ، وَأَقْبِلِي بِقُوَّتِكَ وَسَعْيِكِ عَلَى تَقْديْم الخَيْرِ، وَإِيَّاكَ وَالشَّرَّ، وَاذْكُرِي أَنَّ هَذَا الجَسَدَ مَوْجُودٌ لِآفَاتٍ، وَأَنَّهُ مَمْلُوءٌ أَخْلَاطًا فَاسِدَةً قَذِرَةً، تَعْقِدُهَا الحَيَاةُ، وَالحَيَاةُ إِلَى نَفَادٍ، كَالصَّنَمِ المُفَصَّلَةِ أَعْضَاؤُهُ إِذَا رُكِّبَتْ وَوُضِعَتْ، يَجْمَعُهَا مِسْمَارٌ وَاحِدٌ، وَيَضُمُّ بَعْضَهَا إِلى بَعْضٍ، فَإِذَا أُخَذَ ذَلِكَ المِسْمَارُ تَسَاقَطَتْ الأَوْصَالُ.
يَا نَفْسُ، لَا تَغْتِّري بِصُحْبَةِ أَحِبَّائِكِ وأصْحَابِكِ، وَلَا تَحْرِصِي عَلَى ذَلِكِ كُلَّ الحِرْصِ، فَإِنَّ صُحْبَتَهُمْ ـ عَلَى مَا فِيهَا مِنَ السُّرُورِ ـ كَثِيرَةُ المَؤُونَةِ، وَعَاقِبَةُ ذَلِكِ الفِرَاقُ. وَمَثَلُهَا مَثَلُ المِغْرَفَةِ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ فِي جِدَّتِها لِسُخُونَةِ المَرَقِ، فَإِذَا انْكَسَرَتْ صَارَتْ وَقُودًا.
يَا نَفْسُ، لَا يَحْمِلَنَّكِ أَهْلُكِ وَأَقَارِبُكِ عَلَى جَمْعِ مَا تَهْلِكِينَ فِيهِ، إِرَادَةَ صِلَتِهِمْ، فَإِذَا أَنْتِ كَالدُّخْنَةِ الأَرِجَةِ [1]التي تَحْتَرِقُ وَيَذْهَبُ آخَرُونَ بِرِيْحِهَا.
يا نَفْسُ، لَا يَبْعُدْ عَلَيْكِ أَمْرُ الآخِرَةِ فَتَمِيلِي إِلَى العَاجِلَةِ فِي اسْتِعْجَالِ القَلِيْلِ وَبَيْعِ الكَثِيرِ بِاليَسِيرِ، كَالتَّاجِرِ الَّذِي كَانَ لَهُ مِلْءُ بَيْتٍ مِنَ الصَّنْدَلِ، فَقَالَ: إِنْ بِعْتُهُ وَزْنًا طَالَ عَلَيَّ، فَبَاعَهُ جُزَافًا [2]بِأَبْخَسِ الثَّمَنِ.
وَقَدْ وَجَدْتُ آرَاءَ النَّاسِ مُختلِفَةً وَأَهْوَاءَهُمْ مُتَبَايِنَةً، وَكُلٌّ عَلَى كُلٍّ رَآدٌّ، وَلَهُ عَدُوٌّ وَمُغْتَابٌ، وَلِقَوْلِهِ مُخَالِفٌ. فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ لَم أَجِدْ إِلى مُتَابَعَةِ أحَدٍ مِنْهُمْ سَبِيْلًا، وَعَرَفْتُ أَنِّي إِنْ صَدَّقْتُ أحَدًا مِنْهُمْ لَا عِلْمَ لِي بِحَالِهِ، كُنتُ فِي ذلِكَ كَالمُصَدِّقِ المَخْدُوْعِ الذي زَعَمُوا فِي شَأْنِهِ أَنَّ سَارِقًا عَلَا ظَهرَ بَيْتِ رَجُلٍ مِنَ الأَغْنِياءِ، وَكَانَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَاسْتَيْقَظَ صَاحِبُ المَنْزِلِ مِنْ حَرَكَةِ أَقْدَامِهِمْ، فَعَرَّفَ امْرَأَتَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهَا: رُوَيْدًا إِنِّي لأَحْسَبُ اللُّصُوصَ عَلَوُا البَيْتَ، فَأَيْقِظِيْنِي بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ اللُّصُوصُ وَقُولِي أَلاَ تُخْبِرُنِي أَيُّهَا الرَّجُلُ عَنْ أَمْوَالِكَ هَذِهِ الكَثِيرَةِ وكُنُوزِكَ العَظِيمَةِ؟ فَإِذَا نَهَيْتُك عَنْ هَذا السُّؤَالِ فَأَلِحَي عَلَي بِالسُّؤالِ.
فَفَعَلَتِ المَرْأَةُ ذَلِكَ وَسَأَلَتْهُ كَما أَمَرَهَا، وَأَنْصَتَتِ اللُّصُوصُ إِلَى سَمَاعِ قَوْلهِمَا.
فَقَالَ لَهَا الرَّجُلُ: أَيَّتُهَا المَرْأَةُ، قَدْ ساقكِ القَدَرُ إِلَى رِزْقٍ وَاسِعٍ كَثِيرٍ، فَكُلِي وَأَسْكُتِي، وَلَا تَسْألِي عَنْ أَمْرٍ إِنْ أَخْبَرْتُكِ بِهِ لَمْ آمَنْ أَنْ يَسْمَعَهُ أَحَدٌ، فَيَكُونَ فِي ذَلِكَ ما أكرَهُ وَتَكْرَهِينَ.
فَقَالَتْ المرأَةُ: أَخْبِرْنِي أَيُّهَا الرَّجُلُ، فَلَعَمْرِي ما بِقُرْبِنَا أَحَدٌ يَسْمَعُ كَلَامَنَا.
فَقَالَ لَهَا: فَإِنِّي أَخْبِرُكِ أَنِّي لَمْ أَجْمَعْ هَذه الأَمْوَالَ إلَّا مِنَ السَّرِقَةِ، قَالَتْ: وَكَيْفَ كَانَ ذلِكَ؟ وَمَا كُنتَ تَصْنَعُ؟
قَالَ: ذَلِكَ لِعِلْمِ أَصَبْتُهُ فِي السَّرِقَةِ، وَكَانَ الأمْرُ عَلَيَّ يَسِيرًا، وَأَنَا آمِنْ مِنْ أنْ يَتَّهِمَنِي أَحَدٌ أَو يَرْتابَ فِيَّ.
قالَتْ: فَاذْكُرْ لِي ذَلكَ.
قَالَ: كُنتُ أَذْهَبُ في اللَّيْلَةِ المُقْمِرَةِ، أَنَا وَأَصْحَابِي، حَتَّى أَعْلُو دَارَ بَعْضِ الأَغْنِيَاء مِثْلِنَا، فَأَنْتَهَيَ إِلَى الكُوَّةِ الَّتِي يَدْخُلُ مِنْهَا الضَّوْءُ فَأرْقَيَ بِهَذِه الرُّقْيَةِ وَهِيَ “شَوْلَمْ شَوْلَمْ” سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَأَعْتَنِقُ الضَّوْءَ، فَلَا يُحِسُّ بِوُقُوعِي أَحَدٌ، فَلَا أدعُ مَالاً وَلَا مَتَاعًا إِلا أَخَذْتُهُ، ثُمَّ أَرْقَى بِتِلكَ الرُّقْيَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَأَعْتَنِقُ الضَّوْءَ، فَيَجْذِبُنِي، فَأصْعَدُ إلَى أَصْحَابِي، فَنَمْضي سَالِمِينَ آمِنِينَ.
فَلَمَّا سَمِعَ اللُّصُوصُ ذَلِكَ قَالُوا: قَدْ ظَفِرْنَا اللَّيْلَةَ بِمَا نُرِيدُ مِنَ المَالِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَطَالُوا المُكْثَ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّ صَاحِبَ الدَّارِ وَزَوْجَتَهُ قَدْ هَجَعَا، فَقَامَ قَائِدُهُمْ إِلَى مَدْخَلِ الضَّوْء، وَقَالَ: “شَوْلَمْ شَوْلَمْ” سَبْعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ اعْتَنَقَ الضَّوْءَ لينْزِلَ إِلَى أَرْضِ المَنْزِلِ، فَوَقَعَ عَلَى أَمَ رَأْسِهِ مُنَكَّسًا.
فَوَثَبَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ بِهِرَاوَتِهِ، وَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟
قَالَ: أَنَا المُصَدِّقُ المَخَدُوعُ المُغْتَرُّ بِمَا لَا يَكُونُ أَبَدًا، وَهَذِهِ ثَمَرَةُ رُقْيَتِكَ.
فَلَمَّا تَحرَزْتُ مِنْ تَصْدِيقِ مَا لَا يَكُونُ، وَلَمْ آمَنْ إِنْ صَدَّقْتُهُ أَنْ يُوقِعَنِي فِي مَهْلَكَةٍ عُدْتُ إِلى طَلَبِ الأَدْيَانِ وَالتِمَاسِ العَدْلِ مِنْهَا، فَلَمْ أَجِدُ عِندَ أَحَدٍ مِمَّنْ كَلَّمْتُهُ جَوَابًا فِيمَا سَأَلْتُهُ عَنْهُ فِيهَا، وَلَمْ أَرَ فِيمَا كَلَّمُونِي بِهِ شَيْئاً يَحِقُ لِي فِي عَقلِي أَنْ أُصَدِّقَ بِهِ وَلَا أَنْ أَتْبِعَهُ.
فَقُلْتُ لمَّا لَمْ أَجِدْ ثِقَةً آخَذُ مِنْهُ، الرَّأيُ أنْ أَلْزَمَ دِينَ آبَائِي وَأَجْدَادِي الَّذِي وَجَدْتُهُمْ عَلَيْهِ. فَلَمَّا ذَهَبْتُ التَمِسُ العُذْرَ لِنَفْسِي فِي لُزُومِ دِينِ الآباءِ وَالأَجْدَادِ، لَمْ أَجِدْ لَهَا عَلَى الثُّبُوتِ عَلَى دِينِ الآبَاءِ طَاقَةً، بَلْ وَجَدْتُها تُرِيدُ أنْ تَتَفَرغَ لِلْبَحْثِ عَنِ الأَدْيَانِ وَالمسْأَلِة عَنْهَا، وَلِلنَّظَرِ فِيهَا، فَهَجَسَ فِي قَلبِي وَخَطَرَ عَلَى بَالِي قُرْبُ الأَجَلِ وَسُرْعَةُ انْقِطَاعِ الدُّنْيَا وَاعْتَباطُ أَهْلِهَا وَتَخَرُّمُ الدَّهْر حَيَاتَهُمْ. فَفَكَّرْتُ في ذلكَ. فَلمَّا خِفْتُ مِن التَّرَدُّدِ وَالتَّحَولِ، رَأَيْتُ أَلَّا أَتَعرَّضَ لِمَا أَتَخَوَّفُ مِنْهُ المَكْرُوهَ، وَأَنْ أَقْتَصِرَ عَلَى عَمَلٍ تَشْهَدُ النَّفْسُ أَنَّهُ يُوَافِقُ كُلَّ الأَدْيَانِ. فَكَفَفْتُ يَدِي عَنِ القَتْلِ وَالضَّرْبِ، وَطَرَحْتُ نَفْسِي عَنِ المَكْرُوهِ وَالغَضَبِ وَالسَّرِقَة والخِيَانَةِ وَالكَذِبِ وَالبُهْتَانِ وَالغِيبَةِ، وَأَضْمَرْتُ فِي نَفْسِى أَلَّا أبْغِي عَلَى أَحَدٍ، وَلَا أَكَذَّبَ بِالبَعْث وَلَا القِيَامَةِ وَلَا الثَّوَابِ وَلَا العِقَابِ، وَزَايَلْتُ الأَشْرَارَ بِقَلْبِي، وَحَاوَلَتُ الجُلُوسَ مَعَ الأَخْيَارِ بِجُهدِي، وَرَأَيْتُ الصَّلاحَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ صَاحِبٌ وَلَا قَرِينٌ، وَوَجَدْتُ مَكْسَبَهُ إِذَا وَفَّقَ اللهُ وَأَعَانَ يَسِيرًا، وَوَجَدْتُهُ يَدُلُّ عَلَى الخيرِ وَيُشِيرُ بِالنَّصْحِ، فِعْلَ الصَّدِيقِ بِالصَّدِيقِ، وَوَجَدْتُهُ لَا يَنْقُصُ عَلَى الإِنفَاقِ مِنْهُ بَلَ يَزْدَادُ جِدةًّ وَحَسُنَا، وَوَجَدَتَهُ لا خَوْفَ عَلَيْهِ مِنَ السُّلْطَانِ أَن يَغْصِبَهُ، وَلَا مِنَ المَاءِ أَن يُغْرِقَهُ، وَلَا مِنَ النَّارِ أَنْ تُحْرِقَهُ، وَلَا مِنَ اللَّصُوصِ أَنْ تَسْرِقَهُ، ولا مِنَ السِّبَاعِ وَجَوَارِحِ الطَّيْرِ أَنْ تُمَزَقَهُ، وَوَجَدْتُ الرَّجُلَ السَّاهِيَ اللَّاهِيَ المُؤْثِرَ اليَسِيرَ يَنَالُهُ فِي يَوْمِهِ وَيَعْدَمُهُ فِي غَدِهِ عَلَى الكَثِيرِ البَاقِي نَعِيمُهُ، يُصِيبُهُ مَا أَصَابَ التَّاجَرَ الَّذِي زَعَمُوا أَنَّهُ كانَ لَهُ جَوْهَرٌ نَفِيسٌ، فَاسْتَأْجَرَ لِثَقْبِهِ رَجُلًا، اليَوْمُ بِمَائةِ دِينَارٍ، وانْطَلَقَ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ لِيَعْمَلَ، وَإِذَا فِي نَاحِيةِ البَيْتِ صَنْجٌ مَوْضُوعٌ.
فَقَالَ التَّاجِرُ لِلصَّانِعِ: هَلْ تُحْسِنُ أَنْ تَلْعَبَ بِالصَّنْجِ؟
قَالَ: نَعَمْ. وَكَانَ بِلَعِبِهِ مَاهِرًا.
فَقَالَ التَّاجِرُ: دُونَكَ والصَّنْجَ فَأَسْمِعْنَا ضَرْبَكَ بِهِ.
فَأَخَذَ الرَّجُلُ الصَّنْجَ، وَلَمْ يَزَلْ يُسْمِعُ التَّاجِرَ الضَّرْبَ الصَّحِيحَ، وَالصَّوْتَ الرَّفِيعَ، وَالتَّاجِرَ يُشِيْرُ بِيَدِهِ وَرَأْسِهِ طَرِبًا، حَتَّى أَمْسَى. فَلَمَّا حَانَ الغُرُوبُ قَالَ الرَّجُلُ لِلتَّاجِرِ: مُرْ لِي بِالأُجْرَةِ.
فَقَالَ لَهُ التَّاجِرُ: وَهَلْ عَمِلْتَ شَيْئًا تَسْتَحقُّ بِهِ الأُجْرَةَ؟
فَقَالَ لَهُ: عَمِلْتُ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ، وَأَنَا أَجِيرُكَ، وَمَا استَعْمَلَتَنِي عَمِلْتُ.
وَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى اسْتَوْفَى مِنْهُ مِائَةَ دِينَارٍ. وَبَقِيَ جَوْهَرَهُ غَيْرَ مَثْقُوبٍ.
فَلَمْ أَزْدَدْ فِي الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا نَظَراً، إلَّا ازْدَدْتُ فِيهَا زَهَادَةً وَمِنْهَا هَرَبًا. وَوَجَدْتُ النُّسْكَ[3] هُوَ الَّذِي يُمَهِّدُ لِلْمَعَادِ كَما يُمَهِّدُ الوَالِدُ لِوَلَدِهِ، وَوَجَدْتُهُ هُوَ البَابَ المَفْتُوحَ إلَى النَّعِيمِ المُقِيمِ.
وَوَجَدْتُ النَّاسِكَ قَد تَدَبَّرَ فِعْلَتَهُ بِالسَّكِيْنَةِ، فَشَكَرَ، وَتَوَاضَعَ وَقَنِعَ فَاسْتَغْنَى، وَرَضِيَ وَلمْ يَهْتَمَّ، وَخَلَعَ الدُّنْيَا فَنَجَا مِنَ الشُّرُورِ، وَرَفَضَ الشَّهَوَاتِ فَصَارَ طَاهِرًا، وَاطَّرَحَ الحَسَدَ فَوَجَبَتْ لَهُ المَحَبَّةُ، وسَخَتْ نَفْسُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَاسْتَعْمَلَ العَقْلَ وَأَبْصَرَ العَاقِبةَ فَأمِنَ النَّدَامَةَ، وَلَمْ يَخَفِ النَّاسَ وَلَمْ يَدِبَّ إِلَيْهِمْ فَسَلِمَ مِنْهُمْ. فَلَمْ أَزْدَدْ فِي أمْرِ النُّسْكِ نَظَراً، إِلَّا ازْدَدْتُ فِيهِ رَغْبَةً، حَتَّى هَمَمْتُ أنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهِ. ثُمَّ تَخَوَّفْتُ ألَّا أَصْبَرَ عَلَى عَيْشِ النَّاسِكِ، وَلَمْ آمَنْ إِنْ تَرَكْتُ الدُّنْيَا وَأَخَذْتُ في النُّسْكِ، أَنْ أَضْعُفَ عَنْ ذلِكَ، وَرَفَضْتُ أَعْمَالًا كُنتُ أَرْجُو عَائِدَتَهَا، وَقَدْ كُنتُ أَعْمَلُهَا فَأَنْتَفِعُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، فَيَكُونُ مَثَلِي فِي ذلِكَ مَثَلَ الكَلْبِ الَّذِى مَرَّ بِنَهْرٍ وَفِي فِيهِ ضِلَعٌ، فَرَأَى ظِلَّهَا فِي المَاءِ، فَهُوَى لِيَأخُذَهَا، فَأَتْلَفَ مَا كَانَ مَعَهُ، وَلَمْ يَجِدْ فِي المَاءِ شَيْئًا.
فَهِبْتُ النُّسْكَ مَهَابَةً شَدِيدَةً، وَخِفْتُ مِنَ الضَّجَرِ وَقِلَّةِ الصَّبْرِ، وَأردتُ الثُّبُوتَ عَلى حَالَتِي الَّتِي كُنتُ عَلَيْها.
ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أسْبُرَ مَا أَخَافُ أَلَّا أَصْبِرَ عَلَيْهِ مِنَ الأَذَى وَالضِّيْقِ وَالخُشُونَةِ فِي النُّسْكِ، وَمَا يُصِيْبُ صَاحِبَ الدُّنْيَا مِنَ البَلَاءِ، وَكَانَ عِنْدِي أَنَّهُ لَيْسَ شَيءٌ مِنْ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا وَلَذَاتِهَا إِلَّا وَهُوَ مُتَحَوِّلٌ إِلَى الأَذَى وَمُوَلِّدٌ لِلْحَزَنِ. فَالدُّنْيَا كَالمَاءِ المِلْحِ الَّذِي لا يَزْدَادُ شَارِبُهُ شُرْبًا، إِلَّا ازْدَادَ عَطَشًا. وَهِي كَالعَظْمِ الَّذِي يُصِيبُهُ الكَلْبُ فَيَجِدُ فِيهِ رِيحَ اللَّحْمِ، فَلَا يَزَالُ يَطْلُبُ ذلِكَ حَتَّى يُدْمِيَ فَاهُ. وَكَالحِدَأَةِ الَّتِي تَظْفَرُ بِقِطْعَةٍ مِنَ اللَّحْمِ، فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهَا الطَّيْرُ، فَلَا تَزَالُ تَدُورُ وَتَدأَبُ حَتَّى تَعْيَا وَتَتَعَبَ، فَإِذَا تَعِبَتْ أَلْقَتْ مَا مَعَهَا. وَكَالكُوزِ مِنَ العَسَلِ الَّذي فِي أَسْفَلِهِ السُّمُ الَّذِي يُذَاقُ مِنْهُ حَلَاوَةٌ عَاجِلَةٌ وَآخِرُهُ مَوْتٌ ذُعَافٌ[4]، وَكَأَحْلَامِ النَّائِمِ الَّتِي يَفْرَحُ بِهَا الإِنْسَانُ فِي نَوْمِه، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ ذَهَبَ الفَرَحُ، وكَالبَرْقِ الذي يُضِيءُ يَسِيْرًا فَيُطْمَعُ بِالنُّورِ ثُمَّ يَذْهَبُ بَغْتَةً وَيَرْجِعُ الظَّلامُ، وّكّدُوْدَةِ القَزِّ التي تَنْسِجُ نَهَارًا ولَيْلًا وَتَهْلِكُ وَسَطَ نَسِيْجِهَا الذي كُلَّمَا زَادَتْ مِنْهُ نِسْجًا زَادَ اسْتِحْكَامًا وَمَنْعًا لِهَا مِن الخُرُوجِ.
فَلَمّا فَكَرْتُ فِي هَذِهِ الأُمُورِ، رجَعْتُ إِلَى طَلَبِ النُّسْكِ، وَهَزَّنِي الاشْتِيَاقُ إِلَيْهِ، ثُمَّ خَاصَمْتُ نَفْسِي إِذْ هِيَ فِي شُرُورِهَا سَارِحَةٌ، وَقَدْ لَا تَثْبُتُ عَلَى أَمْرٍ تَعْزِمُ عَلَيْهِ، كَقَاضٍ سَمِعَ مِنْ خَصْمٍ وَاحِدٍ فَحَكَمْ لَهُ، فَلَمَّا حَضَرَ الخصمُ الثَّانِي عَادَ إِلَى الأَوَّلِ وَقَضَى عَلَيْهِ.
ثُمَّ نَظَرْتُ في الَّذِي أُكَابِدُهُ مِنَ احْتِمَالِ النُّسْكِ وَضِيقِهِ، فَقُلْتُ: ما أَصْغَرَ هَذِهِ المَشقَّةَ فِي جَانِبِ رَوْحِ الأَبَدِ وَرَاحَتِهِ، ثُمَّ نَظَرْتُ فيمَا تَشْرَهُ إِلَيْهِ النَّفْسُ مِنْ لَذَّةِ الدُّنْيَا، فَقُلْتُ: مَا أَمَرَّ هذا وَأَوْجَعَهُ، وَهُوَ يَدْفَعُ إِلى عَذَابِ الأَبَد وَأَهْوَالِهِ! وَكَيْفَ لَا يَسْتَحْلي الرَّجُلُ مَرَارَةً قَلِيلَةً تَعْقُبُهَا حَلَاوَةٌ طَوِيلَهٌ؟ وَكَيفَ لَا تَمُرُّ [5]عَلَيْهِ حَلَاوَةٌ قَلِيلَةٌ تَعْقُبُهَا مَرَارَةٌ دَائِمَةٌ؟ وَقُلْتُ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا عُرِضَ عَلَيْهِ أَن يَعِيشَ مِائَةَ سَنَةٍ، لَا يَأْتِي عَلَيْهِ يَوْمٌ وَاحِدٌ إِلَّا بُضِعَ مِنْهُ بَضْعَةٌ، ثُمَّ أُعِيدَ عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ، غَيْرَ أَنَّهُ يُشْرَطُ لَهُ أَنَّهُ إِذَا اسْتَوْفَى السِّنِينَ المَائَةَ، نَجَا مِنْ كُلِّ أَلَمٍ وَأَذَى، وَصَارَ إلَى الأَمْنِ وَالسُّرُور، كَانَ حَقِيقًا أَلَّا يَرَى تِلْكَ السِّنِينَ شَيْئًا. وكيفَ يَأْبَى الصَّبْرَ عَلَى أَيَّامٍ قَلَائِلَ يَعِيشُهَا فِي النُّسْكِ، وَأَذَى تلكَ الأَيَّامِ قَلِيلٌ يُعْقِبُ خَيْرًا كَثِيرًا؟ فَلْنَعْلَمْ أَنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا بَلَاءٌ وعَذَابٌ، أَو لَيْسَ الإِنسَانُ إِنَّمَا يَتَقَلَّبُ فِي عَذَابِ الدُّنْيَا مِنْ حِينَ يَكُونُ جَنِينًا إِلى أَنْ يَسْتَوْفِي أَيَّامَ حَيَاتِهِ؟ فَإِذَا كَانَ طِفْلًا ذَاقَ مِنَ العَذَابِ أَلْوَانَّا، إِنْ جَاعَ فَلَيْسَ بِهِ اسْتِطْعَامٌ، أَوْ عَطِشَ فَلَيْسَ بِهِ اسْتِسْقَاءٌ، أَوْ وَجِعَ فَلَيْسَ بِهِ اسْتِغَاثَةٌ، مَعَ مَا يَلْقَى مِنَ الوَضْعِ وَالحَمْلِ وَاللَّفِّ والدَّهْنِ والمَسْحِ، إِنْ أُنِيمَ عَلَى ظَهْرِهِ لَمْ يَسْتَطِعْ تَقَلُّباً، ثُمَّ يَلْقَ أَصْنَافَ العَذَابِ مَا دَامَ رَضِيعًا، فَإِذَا أُفْلِتَ مِنْ عَذَابِ الرَّضَاعِ، أَخَذَ فِي عَذَابِ الأَدَبِ، فَأُذِيقَ مِنْهُ أَلْوَانًا، مِنْ عُنْفِ المُعَلِّمِ، وَضَجَرِ الدَّرْسِ، وَسَآمَةِ الكِتَابَةِ، ثُمَّ لَهُ مِنَ الدَّوَاءِ وَالِحمْيَةِ وَالأَسْقَامِ والأَوْجَاعِ أَوْفَى حَظٍّ.
فَإِذَا أَدْرَكَ كَانَتْ هِمْتُهُ فِي جَمع المَالِ وتَرْبِيَةِ الوَلَدِ وَمُخَاطَرَةِ الطَّلَبِ وَالسَّعْيِ وَالكَدِّ وَالتَّعَبِ، وَهُوَ مَع ذلِكَ يَتَقَلَّبُ مَعَ أَعْدَائِهِ البَاطِنِيَّةِ اللَّازِمَةِ لَهُ، وَهِيَ الصَّفْرَاءُ وَالسَّوْدَاءُ وَالرِّيحُ وَالبَلْغَمُ وَالدَّمُ وَالسُّمَّ المُمِيتُ وَالحَيَّةُ اللَّاذِعَةُ، معَ الخَوْفِ مِنَ السَبَاعِ وَالهَوَامِ، مَعَ صَرْفِ الحَرِّ وَالبَرْدِ وَالمَطَرِ والرِّيَاحِ، ثُمَّ أَنْوَاعِ عَذَابِ الهَرَم لِمَنْ يَبْلُغُهُ. فَلَوْ لَمْ يَخَفْ مِنْ هَذِهِ الأُمُورِ شَيْئًا، وَكَانَ قَدْ أَمِنَ وَوَثِقَ بِالسَّلَامَةِ مِنْها فَلَمْ يُفَكِّرْ فِيهَا، لَوَجَبَ عَلَيْهِ أَن يَعْتَبِرَ بِالسَّاعَةِ الَّتِي يَحْضُرُهُ فِيهَا المَوْتُ، فَيُفَارِقُ الدُّنْيَا، وَيَتَذَكَّرُ مَا هُوَ نَازِلُ بِهِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، مِنْ فِرَاقِ الأَحِبَّةِ وَالأَهْلِ وَالأَقَارِبِ وَكُلِّ مَضْنُونٍ بِهِ مِنَ الدُّنْيَا، والإِشْرَافِ عَلَى الهَوْلِ العَظِيْمِ بَعْدَ المَوْتِ. فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، لَكَانَ حَقِيقًا أَن يُعَد عَاجِزًا مُفَرِّطًا مُحِبًّا لِلدَّنَاءَةِ مُسْتَحِقًا لِلَّوْمِ، فَمَنْ ذَا الَّذِي يَعْلَمُ وَلَا يَحْتَالُ لِغَدٍ جُهْدَهُ فِي الحِيْلَةِ، وَيَرْفُضُ مَا يَشْغَلُهُ وَيُلْهِيهِ مِنْ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا وَغُرُورِهَا؟ وَلَاسيَّما فِي هَذَا الزَّمَانِ الشَّبِيهِ بِالصَّافِي [6] وَهُوَ كَدِرٌ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ المَلِكُ حَازِمًا عَظِيمَ المَقْدِرَةِ، رَفِيعَ الهِمَّةِ بَلِيغَ الفَحْصِ، عَدْلًا مَرْجُوًا صَدُوقًا شَكُورًا، رَحْبَ الذِرَاعِ مُفْتَقِدًا مُوَاظِبًا مُسْتَمِرًّا عَالِماً بِالنَّاسِ والأُمُورِ، مُحِبًّا لِلعِلْمِ وَالخَيْرِ وَالأَخْيَارِ، شَدِيْدًا عَلَى الظَّلَمَةِ، غَيْرَ جَبَانٍ وَلَا خَفِيْفِ القِيَادِ، رَفِيقًا بِالتَّوَسُّعِ عَلَى الرَّعِيَّةِ فِيْمَا يُحِبُّونَ وَالدَّفْعِ لِمَا يَكْرَهُونَ، فَإِنَّا قَدْ نَرَى الزَّمَانَ مُدْبِرًا بِكُلِّ مَكَانٍ، فَكَأنَّ أُمُورَ الصِّدْقِ قَدْ نُزِعَتْ مِنَ النَّاسِ، فَأَصْبَحَ مَا كَانَ عزِيزاً فَقْدُهُ مَفْقُودًا، وَمَوْجُودًا مَا كَانَ ضَائِرًا وُجُودُهُ. وَكَأَنَّ الخَيْرَ أَصْبَحَ ذَابِلًا وَالشَّرَّ أَصْبَحَ نَاضِرًا. وَكَأَنَّ الفَهُمَ أَصْبَحَ قَدْ زَالَتْ سُبُلُهُ. وَكَأنَ الحَقِّ وَلَّى كَسِيرًا وَأَقبَلَ البَاطِلُ تَابِعَهُ. وَكَأنَ اتِّبَاعَ الهَوَى وَإضَاعَةَ الحُكْمِ أَصْبَحَ بِالحُكَّامِ مُوَكَّلًا، وَأَصْبَحَ المَظْلُومُ بِالحَيْفِ مُقِرًّا وَالظَّالِمُ لِنَفْسِهِ مُسْتَطِيلًا، وَكَأنَ الحِرْصَ أَصْبَحَ فَاغْرًا فَاهُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ يَتَلَقَّفُ مَا قَرُبَ مِنْهُ وَمَا بَعُدَ. وَكَأَنَّ الرِّضَا أَصْبَحَ مَجْهُولًا. وَكَأَنَّ الأَشْرَارَ يَقْصِدُونَ السَّمَاءَ صُعُودًا. وَكَأَنَّ الأَخْيَارَ يُرِيدُونَ بَطْنَ الأَرْضِ، وَأَصْبَحَتِ المُرُوءَةُ مَقْذُوفًا بِهَا مِنْ أَعْلَى شَرَفٍ إِلَى أَسْفَلِ دَرْكٍ، وَأَصْبَحَتِ الدَّنَاءَةُ مُكَرَّمَةً مُمَكَّنَةً، وَأَصْبَحَ السُّلْطَانُ مُنْتَقِلًا عَنْ أهْلِ الفَضْلِ إِلَى أَهْلِ النَّقْصِ. وَكَأَنَّ الدُّنْيَا جَذِلَةٌ مَسْرُورَةٌ تَقُولُ: قَدْ غُيِّبَتِ الخَيْرَاتُ وَأُظْهِرَتِ السَّيِّئَاتُ. فَلمَّا فَكَرْتُ فِي الدُّنْيَا وَأُمُورِهَا، وَأَنَّ الإِنْسَانَ هُوَ أَشْرَفُ الخَلقِ فِيهَا وَأَفْضَلُهُ، ثُمَّ هُوَ لَا يَتَقَلَّبُ إِلَّا فِي الشُّرُورِ وَالهُمُومِ، عَرَفْتُ أَنَّهُ لَيْسَ إِنْسَانٌ ذُو عَقْلٍ يَعْلَمُ ذلِكَ ثُمَّ لَا يَحْتَالُ لِنَفْسِهِ فِي النَّجَاةِ، فَعَجِبْتُ مِنْ ذَلِكَ كُلَّ العَجَبِ.
ثُمَّ نَظَرْتُ فَإِذَا الإِنْسَانُ لَا يَمْنَعُهُ عَنْ الاِحْتِيَالِ لِنَفْسِهِ إِلَّا لَذَّةٌ صَغِيْرَةٌ حَقِيرَةٌ غَيْرُ كَبِيرَةٍ مِنَ الشَّمِ وَالذَّوقِ وَالنَّظَرِ وَالسَّمْعِ وَاللَّمْسِ، فَعَلَّهُ يُصِيبُ مِنْهَا الطَّفِيفَ أَوْ يَقْتَنِي مِنْهَا اليَسِيرَ، فَإِذَا ذَلكَ يَشْغَلُهُ وَيَذْهَبُ بِهِ عَنْ الاِهْتِمَامِ لِنَفْسِهِ وَطَلَبِ النَّجَاةِ لَهَا. فَالتَمَسْتُ لِلْإِنْسَانِ مَثَلًا، فَإِذَا مَثَلُهُ مَثَلُ رَجُلٍ نَجَا مِنْ خَوْفِ فِيْلٍ هَائِجٍ إِلَى بِئْرٍ، فَتَدَلَّى فِيهَا، وَتَعَلَّقَ بِغُصْنَيْنِ كَانَا عَلَى سَمَائِهَا، فَوَقَعَتْ رِجْلَاهُ عَلَى شَيْءٍ في طَيِّ البِئْرِ، فَإِذَا حَيَّاتٌ أَرْبَعٌ قَدْ أَخْرَجْنَ رُؤُوْسَهُنَّ مِنْ أَجْحَارِهِنَّ، ثُمَّ نَظَرَ فَإِذَا فِي قَاعِ البِئْرِ تِنِّينٌ فَاتِحٌ فَاهُ مُنتَظِرٌ لَهُ لِيَقَعَ فَيَأْخُذَهُ، فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى الغُصْنَيْنِ فَإِذَا فِي أَصْلِهِمَا جُرَذَانِ أَسْوَدُ وَأَبْيَضُ، وَهُمَا يَقْرِضَان الغُصْنَيْنِ دَائِبَيْنِ لَا يَفْتُرَانِ، فَبَيْنَا هُوَ فِي النَّظَرِ لأَمرِهِ وَالاهْتِمَامِ لِنَفْسِهِ، إِذْ أَبْصَرَ قَرِيبًا مِنْهُ كِوَارَةً فِيهَا عَسَلُ نَحْلٍ، فَذَاقَ العَسَلَ، فَشَغَلَتْهُ حَلَاوَتُهُ وَأَلهَتْهُ لَذَّتُهُ عَنِ الفِكْرَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ أمْرِهِ، وَأَنْ يَلْتَمِسَ الخَلَاصَ لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ رِجْلَيْهِ عَلَى حَيَّاتٍ أَرْبَعٍ لَا يَدْرِي مَتَى يَقَعُ عَلَيْهِنَّ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ الجُرَذَيْنِ دَائِبَانِ فِي قَطْعِ الغُصْنَيْنِ، وَمَتَى انْقَطَعَا وَقَعَ عَلَى التِّنِّيْنِ. فَلَمْ يَزَلْ لَاهِيًا غَافِلاً مَشْغُوْلًا بِتِلْكَ الحَلَاوَةِ حَتَّى سَقَطَ فِي فَمِ التِّنِّيْنِ فَهَلَكَ. فَشَبَّهْتُ بِالبِئْرِ الدُّنْيَا المَمْلُوءَةَ آفَاتٍ وَشُرُورًا، وَمَخَافَاتٍ وَعَاهَاتٍ، وَشَبَّهْتُ بِالحَيَّاتِ الأَرْبَعِ الأَخْلَاطَ الأَرْبَعَةَ الَّتِي فِي البَدَنِ، فَإِنَّهَا مَتَى هَاجَتْ أَوْ أَحَدُهَا كَانَتْ كَحُمَةِ الأَفَاعِي وَالسُّمِّ المُمِيْتِ، وَشَبَّهتُ بِالغُصْنَينِ الأَجَلَ الَّذِي لَابُدَّ مِنَ انْقِطَاعِهِ، وَشَبَّهْتُ بِالجُرَذَيْنِ الأَسْوَدِ وَالأَبْيَضِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ اللَّذَيْنِ هُمَا دَائِبَانِ فِي إِفْنَاءِ الأَجَلِ، وَشَبَّهْتُ بِالتِّنِّيْنِ المَصِيْرَ الَّذِي لَابُدَّ مِنْهُ، وَشَبَّهْتُ بِالعَسَلِ هَذِهِ الحَلَاوَةَ القَلِيلَةَ الَّتِي ينَالُ مِنْهَا الإِنْسَانُ فَيَطْعَمُ وَيَسْمَعُ وَيَشَمُّ وَيَلْمِسُ، وَيَتَشَاغَلُ عَنْ نَفْسِهِ، وَيَلْهُو عَنْ شَأْنِهِ، وَيَصُدُّ عَنْ سَبِيلِ قَصْدِهِ فَحِينَئِذٍ صارَ أَمْرِي إِلَى الرِّضَا بِحَالِي وَإِصْلَاحِ مَا اسْتَطَعْتُ إِصْلَاحَهُ مِنْ عَمَلِي، لَعَلِي أُصَادِفُ بَاقِيَ أَيَّامِيَ زَمَانًا أُصِيْبُ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى هُدَايَ، وَسُلْطَانًا عَلَى نَفْسِي، وَقِوَامًا لأَمْرِي، فَأَقَمْتُ عَلَى هَذِهِ الحَالِ وانْتَسَخْتُ كُتُباً كَثِيرَةً، وَانْصَرَفْتُ مِنْ بِلَادِ الهِنْدِ، وَقَدْ نَسَخْتُ هَذَا الكَتَابَ.
[1] الدخنة الأرجة يعني البخور الذي له أريج أي رائحة طيبة
[2] جزاف تضبط بضم الجيم وبفتحها وبكسرها والمعنى بغير وزن ولا كيل ولا نظر في العاقبة وإنما بالحدس وبالتخمين
[3] النسك العبادة مع الزهد، والناسك هو العابد الزاهد
[4] يقال سُمٌ ذعاف وسُمٌ زعاف بالذال وبالزاي وهو القاتل في حينه
[5] تصير مُرّةً
[6] يصف عصره وهو العصر الجاهلي السائد في الأرض وهو السابق للبعثة المحمدية.




