من دمشق إلى بغداد.. الوفاء العربي في أبهى صوره
في تاريخ العرب، كما في شِعرهم وأسفارهم، يتجلى الوفاء والكرم لا كخصالٍ طارئة، بل كجوهرٍ أصيل يسري في دمائهم ، ويجري على ألسنتهم كما تجري الأنهرُ في مجاريها منذ الأزل. لا عجب إذًا أن تسلّح الفاتحون العرب بهذه الأخلاق الرفيعة، فسحروا بها عقول الناس وقلوبهم، فآمنت بمبادئهم لا رهبةً بل رغبة، لا قسرًا بل يقينًا.
ولعل من أعمق ما جادت به الذاكرة العربية من صور الوفاء، ما تناقلته الآثار عن الخليفة العباسي؛المأمون ورجلٍ من دمشق، جمعت بينهما الأيام في درب من دروب الفتنة، ثم افترقا، فكان للوفاء أن يجمع بينهما من جديد، ولكن هذه المرة في قلب قصر الخلافة.
يروي العباس، صاحب شرطة المأمون، وهو في مقامه لا يُعلى عليه في السلطة الأمنية: “دخلت على أمير المؤمنين، فوجدت عنده رجلًا مكبّلاً بالحديد، مهيض الجناح، صامت الجوارح. فلما رآني، قال: خذ هذا إليك، واحتفظ به، وأحضره غدًا، ولا تغفل عنه طرفة عين.”
أخذته كما تؤخذ الوديعة الغالية، لا كما يؤخذ مجرم، ومع تعاظم وصية الخليفة، رأيت ألا يكون موضعه السجن، بل بيتي، حيث أقدر على حراسته بعيني وقلبي. وهناك، في داري، جلست أسأله عن قصته، ومن أين هو، فقال: “من دمشق.” فانتفض في داخلي حنين قديم وذكرى غائرة، وبدأت أسأله عن رجل من أهلها. ولدهشتي، رفض أن يجيبني إلا إن عرف قصتي معه.
فأطلقتُ لذكرياتي العنان، ورويت له كيف كنت يومًا في دمشق، وكيف اندلعت فتنة فيها، فهرب الحاكم، وهرب الناس، وهربت أنا. وبين أزقة المدينة القديمة، لاحقني الغاضبون، حتى لجأت إلى رجل يجلس عند باب داره، فقلت له: أغثني. فقال دون تردد: “ادخل، لا بأس عليك.”
وأدخلني بيته، وواراني عن أعين الناس، وزوجته تحتضن موقفي بجرأة لا توصف، حتى جاء المطاردون، فتشوا البيت، ولم يبق إلا المقصورة، فزجرتهم المرأة فارتدوا عنها. بعدها، عشت في كنف هذا الرجل أربعة أشهر في سلام وكرامة لم أكن لأحلم بهما. لم يسألني عن اسمي، ولا سألني عن نسبي، وكان يناديني بالكنية في أدب جم.
فلما انتهت الفتنة، أردت أن أخرج، فاستحلفني أن أعود. وحين عدت، وأخبرته أني لم أجد أحدًا من خدمي أو أهلي، قال لي: ستذهب إلى بغداد؟ إذن القافلة تخرج بعد ثلاثة أيام. وفي يوم الرحيل، جهزني كما يجهز الأب ابنَهُ إلى عرس، لا إلى سفر: خفين، وسيف، وثياب، ومال، وفرس، وغلام يخدمني، وقال لي: “اذهب، يا أبا فلان، فالله يتولاك.”
قال الرجل المكبل أمامي: “ذلك الرجل… أنا.”
صُعقت. ولكن حين حدّثني ببعض التفاصيل الصغيرة التي لا يعرفها إلا هو، أيقنت، وانهمرت الدموع من عيني دون إذن.
قلت له: ما الذي جرى؟ كيف صرت من صاحب بيت كريم إلى رجلٍ في الأغلال؟
فقال: وقعت فتنة في دمشق، كما وقعت في زمنك، ونُسِبت إليّ، فأُتي بي إلى الخليفة، وأنا في حكم الموت، لا ريب عندي في نهايتي.
ثم قال: “كل ما أطلبه منك مكافأة لما صنعتُه معك، أن تبعث إلى غلامي المُقيم عند فلان في بغداد، حتى أكتب وصيتي. لا أريد منك غير هذا، فإن فعلتَ، فقد وفيتَ وأكثرْت.”
فقمتُ إليه، وفككت قيده، وأدخلته الحمّام، ولبّسته ما يليق به، ثم أرسلت من أتى بغلامه، فبكى عند رؤيته، وأوصاه بما شاء. ثم جهزته، وأمرته أن ينطلق إلى حيث شاء، وعاهدني ألا يبرح بغداد حتى يعرف مصيري.
وفي صباح اليوم التالي، دُعيت إلى دار الخليفة، فوجدته غاضبًا، يسألني: “أين الرجل؟”
قلت: “اسمع مني، فإن له قصة.”
فلما رويتُها له، وكشفتُ له ما بيني وبين هذا الدمشقي من عهد قديم، وكيف آثرت الوفاء على الطاعة العمياء، قال لي المأمون: “ويلك! أكان جزاء من أحسن إليك بغير معرفة، أن ترد له الجميل بعد أن عرفته هكذا؟! هلا أخبرتني لأجازيه عنك؟”
فقلت له: “إنه لا يزال في بغداد، ينتظر مصيري.”
فقال: “هذه منّة أعظم من الأولى! هاتِه إلي.”
ولما مثُل الرجل بين يدي أمير المؤمنين، أجلسه بجواره، وأطعمه من طعامه، وخلع عليه حُلله، ثم عرض عليه ولاية دمشق. لكنه، في سموٍ لا يُجارى، اعتذر. فاكتفى المأمون بإعفائه من الخراج، وأوصى به عامل الشام، وأغدق عليه من صِلاته ما يليق بعظيم فعله.
هكذا تُكتب الحكايات في سجل الخلود، لا بالحبر، بل بدم النبلاء. فذاك الدمشقي، لم يُسقِ عبده ماءً، بل أسقاه كرامة، وحين جاء الدور على العباس، ردّ له الجميل، ولو على حساب رأسه.
وهكذا يُمتحن الإنسان: لا في قوته، بل في وفائه. لا في سلطانه، بل في حفظه للعهد.
والعرب… لا يُذكرون في ملاحم التاريخ لأنهم غزوا، بل لأنهم حين غزوا، فتحوا القلوب قبل المدن.
بقلم : مرزوق بن علي الزهراني




