ماذا يفعل عوض الله حين يحل في قلب أنهكته النوازل، وأثقلته الآلام، ومرغته الانكسارات؟
من قال إن الذاكرة لا تنسى؟
ومن قال إن الجراح تدوم ما دامت الروح تنبض؟
ثمة لحظة تأتي من عند الله،
لحظة سماوية، شفافة، دافئة كحنان الأم،
ينزل فيها العوض من السماء،
فإذا كل ما مررت به من ألم
يتبخر كما لو لم يكن،
ويغدو ما كان يؤلمك بالأمس البعيد كأنه لم يمسس قلبك قط.
العوض من الله ليس شيئًا يمكن أن تتوقعه أو تخطط له،
هو وعد إلهي مخبوء في أقدار الصابرين،
يأتي متأخرًا حين تظن أن كل الأبواب أغلقت،
ويصل حين توشك أن تنكسر،
لكنه لا يجيء أبدًا ناقصًا،
بل يأتيك كاملًا، مدهشًا، مغمورًا بالرحمة.
قال تعالى:
“وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم”
وقال أيضًا:
“إن مع العسر يسرا”
وفي هذا تسكين للقلوب المتعبة، وبشرى لكل من ظن أن العسر دائم، وأن الألم أبدي.
قال النبي صل الله عليه وسلم:
“واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا”
رواه الترمذي.
تتساءل: كيف نسيت تلك الليالي التي بكيت فيها وحدي؟
كيف خفت تلك الذكرى التي كانت توجع قلبي كلما عبرت في خاطري؟
من مسح كل هذا الحزن من روحي؟
ثم تسمع الجواب يتردد في أعماقك:
“عوض الله إذا حل، أنساك كل ما فات.”
يا صديقي يا عزيزي. يا حبيبي …
ليس العوض شيئًا ماديًا فقط، بل انه قد يكون وجهًا أرسله الله ليكون لك سكنًا،
أو عملًا فيه راحة بعد مشقة،
أو صديقًا صادقًا يعيد إليك ثقتك بالناس،
وقد يكون طمأنينة تزرع في قلبك دون سبب، فتفيق صباحًا وقد غادر الحزن دون استئذان،
وكأن الله قال له: كفى.
قال الامام الشافعي رحمه الله:
دع الأيام تفعل ما تشاء
وطب نفسًا إذا حكم القضاء
ولا تجزع لحادثة الليالي
فما لحوادث الدنيا بقاء
العوض لا يعني أنك لم تتألم،
بل يعني أن الألم صار جزءًا من حكاية نجاتك، لا من سجنك.
من المعلوم إنك لن تنسى ما جرى، لكنك لن تبكي عليه مجدداً كما كنت تفعل في السابق،
ولن تفكر في الشكوى منه كما كنت تفعل في الماضي،
بل ستنظر إليه وتبتسم بطمأنينة من ذاق الرحمة بعد الضيق، وكمن خرج من غرق طويل إلى بر النجاة.
ويمكن الاستشهاد هنا بقول أحد الشعراء حين قال:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى
ذرعًا، وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت، وكنت أظنها لا تفرج
العوض لا يُشترى،
ولا يُطلب بإلحاح على أبواب البشر،
إنه يُهدى من الله،
حين يعلم أن قلبك تعب بما يكفي،
وأنك صبرت بصمت،
واحتملت الألم دون أن تؤذي أحدًا،
وظللت تردد: يا رب، لا أحد سواك يعلم.
ولأن الله يعلم، ولأن رحمته تسبق سخطه،
فهو لا يترك قلبًا ينكسر دون أن يجبره،
ولا دمعًا ينزل إلا ويجعل له موعدًا للفرح.
يقول المصطفى الحبيب صل الله عليه وسلم في الحديث القدسي عن رب العزة والجلال سبحانه:
“يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي”
رواه الترمذي.
كل شيء قد ضاع منك سيعود،
أو سيعوضك الله عنه بما هو أنقى، وأبهى، وأبقى.
ثق بذلك.
فإن الله لا يضيع أجر من أحسن،
ولا ينسى من لجأ إليه باكيًا،
ولا يخذل من قال: حسبنا الله ونعم الوكيل.
فاصبر…
واعلم أن ما تحمله الآن،
وما تؤجله،
وما تبكيه في السر،
كله محفوظ في خزائن الله،
ولن يضيع.
سيأتي اليوم
الذي تنظر فيه خلفك، وتقول بطمأنينة راضية:
“الحمد لله، عوضني ربي، فأنساني كل ما مضى.”.
بقلم :مرزوق بن علي الزهراني




