بين المقاومة والانتحار السياسي.. من يحمي فلسطين من قرارات الفصائل؟

لا يختلف اثنان – مهما اختلفت مشاربهما – أن ما تقوم به إسرائيل في غزة منذ أكتوبر الماضي هو حرب إبادة مكتملة الأركان. حرب لم تترك في غزة حجرا على حجر، ولا إنسانا في أمان. مذبحة علنية نفذت على مرأى من العالم، بأسلحة أمريكية التمويل، وبتقنيات غربية، وبصمت دولي مخز، بل وبمباركة ضمنية من أنظمة لم تخف شماتتها ولا انتهازيتها.
لكن ما يثير الأسى أكثر من المجزرة ذاتها، هو الصمت عن السؤال الجوهري:
من الذي منح الذريعة؟
من الذي اختزل شعبا بأكمله في قرار شخصي؟
من الذي أشعل النار ثم غاب خلف الحطام، وترك الأمهات يعددن الجثث تحت الركام؟
من الذي زج بأهل غزة في أتون جحيم لا يطاق، ثم أدار ظهره للعواقب، كأن الدماء لا تعنيه؟
نعم، كلنا نعلم أن إسرائيل عدو لا يحتاج ذريعة للقتل، فهي كيان عنصري مغتصب، فاشي في جوهره، يستلذ بسفك الدماء، ويعتبر كل فلسطيني مشروع هدف مشروع اغتيال. لكن هل يعقل أن نمنح هذا العدو المتوحش ذريعة بحجم 7 أكتوبر؟ هل كنا نظن أنه سيقف مكتوف اليدين، أو سيبتلع الإهانة دون رد دموي شامل؟
من الذي قرر الحرب؟ من الذي فكر، ودرس، وقاس؟
من الذي أجاز عملية عسكرية ضخمة بحجم “طوفان الأقصى” دون أن يدرك أن النار التي سيشعلها لن تطفأ بماء الكلمات، ولا ببيانات التأييد، ولا بالرايات السوداء التي ترفع على أنقاض البيوت المدمرة؟
القرار لم يكن جماعيا. لم يكن فلسطينيا عاما. لم يعرض على السلطة الفلسطينية، ولا على فصائل المقاومة الأخرى. لم يستشر فيه الأشقاء العرب، ولا الأصدقاء في العالم الإسلامي. بل كان قرارا فرديا متهورا، اتخذه رجل عاش عمره في السجون، يتحدث العبرية بطلاقة تفوق أسياده، وتلقى علاجا طبيا خاصا من الاحتلال بينما غيره من الفلسطينيين كان يموت صامتا على أبواب المستشفيات.
أحقا كان هذا الرجل، يحيى السنوار، يدرك حجم ما سيترتب على قراره؟
هل استوعب أن ما بعد 7 أكتوبر لن يشبه ما قبله، وأن غزة لن تعاقب فقط بل ستسحق؟
ألم يكن يدري أن من يقاتل إسرائيل يقاتل الولايات المتحدة بكل قوتها، وبنكها المركزي، وأقمارها الصناعية، وطائراتها الذكية، وأجهزتها الاستخباراتية؟
ألم يكن يدري أن الغرب – بقيادة واشنطن – يعتبر أمن إسرائيل خطا أحمر يفوق كل خطوط الأخلاق والعدالة والشرعية؟
ثم نأتي اليوم لنطالب الدول العربية والإسلامية أن تقف معنا، أن تعيد إعمار غزة، أن تدفع الفاتورة من جديد!
أيعقل هذا؟ من يتخذ قرار الحرب دون استشارة، عليه أن يتحمل تبعاته كاملة.
هل حماس الآن تراجع حساباتها؟
هل جلست لتسأل نفسها:
هل كان ما فعلناه هو الخيار الصائب؟
هل كنا نعلم حقا ما نفعل؟
هل كانت لدينا خطة للمرحلة التالية؟
أين الملايين من أهل غزة؟ أين البيوت والمدارس والمساجد؟ من يعوض الأرامل والثكالى؟ من يعيد للأطفال أعمارهم التي سلبت؟
لقد عشنا هذه الأشهر وكأن القيامة قد قامت على أرض غزة.
غزة اليوم ليست كما كانت. بل تكاد تكون لا شيء. مدينة ممحية، محترقة، لا ماء، لا دواء، لا كهرباء، لا مأوى، لا أمل.
فهل يخرج علينا السنوار ليقول شيئًا؟
أم أن البطولة في نظر البعض لا تكتمل إلا حين تقاس بعدد الشهداء، لا بنتائج المعركة؟
أي مقاومة هذه التي تقرر مصير شعب كامل دون تفويض؟
أي قيادة تلك التي تراهن على دماء الأبرياء ثم تلوذ بالصمت أو بالشعارات؟
نحن لا نشكك في صدق نوايا المجاهدين، لكن النية وحدها لا تكفي، فحتى الخوارج كانوا من أكثر الناس تدينا، لكنهم خالفوا جماعة المسلمين، فكانت فتنتهم أشد من السيوف.
غزة ليست ساحة اختبار. وليست حقل تجارب عسكرية.
غزة روح أمة، وجرح مفتوح، ومسؤولية تاريخية.
ولا يجوز لأحد – كائنا من كان – أن يقرر مصيرها بمعزل عن أهلها، وعن واقع الأمة، وعن ميزان القوى، وعن تقدير العواقب.
إن من اتخذ قرار الحرب ظن أنه سيواجه جيش الاحتلال وحده، لكنه اكتشف متأخرا أنه يقاتل أمريكا، وبريطانيا، وفرنسا، والهند، وأستراليا، وكندا… وأكثر من ذلك يقاتل الخيانة من داخل الصف العربي نفسه.
فهل نكرر الخطأ نفسه بعد سنوات؟
هل نعيد الإعمار على أنقاض أوهام؟
هل نسلم غزة من جديد لأفراد يتصرفون باسم “الشرعية الثورية” بينما لا يملكون إلا الدم والنار؟
أختم لأقول:
قرار الحرب لا يجوز أن يكون فرديا أو فصائليا.
يجب أن يكون قرارا فلسطينيا جامعا، توافق عليه القوى الوطنية، ويشارك فيه العرب والمسلمون، ويبنى على رؤية استراتيجية واضحة، تحفظ الأرواح وتحقق الأهداف.
أما ما حصل في غزة، فهو نتيجة قرار فردي متسرع، كلفنا أغلى ما نملك: البشر، والحجر، والكرامة، والأمل.
وإن لم تراجع “المقاومة” نفسها، وتعيد ترتيب بيتها، وتفكر بمسؤولية لا بعاطفة، فإن المستقبل سيكون أكثر سوادا… لا على غزة وحدها، بل على القضية كلها.
بقلم : محمد سالم المختار الشيخ




