مجلس الأمن الدولي.. من منبر للعدالة إلى رهينة للنفوذ الأمريكي الإسرائيلي

عندما انتهت الحرب العالمية الثانية عام 1945 خرج العالم مثخن الجراح يبحث عن نظام دولي جديد يمنع تكرار الكارثة. في ذلك السياق ولد مجلس الأمن الدولي كأحد أعمدة منظمة الأمم المتحدة ليكون الحارس الأمين على السلم والأمن الدوليين ولينهي عهد الحروب الكبرى عبر الحوار والقرارات الملزمة والتدخل الجماعي في مواجهة المعتدي.
تكون المجلس من خمسة أعضاء دائمين يمتلكون حق النقض الفيتو: الولايات المتحدة وروسيا الاتحاد السوفيتي آنذاك وبريطانيا وفرنسا والصين إضافة إلى عشرة أعضاء غير دائمين يتم انتخابهم لفترات مؤقتة. وقد بدا في بداياته وكأنه السقف الأعلى للعدالة الدولية والملاذ الأخير للشعوب المقهورة. كان الأمل أن يبقى المجلس حصنا منيعا أمام الطغيان وميزانا يزن الحق والباطل بميزان واحد لا يتأثر بالأهواء السياسية ولا بأطماع الدول الكبرى.
لكن ذلك الحلم لم يدم طويلا. فمع مرور العقود وخاصة منذ نهاية الحرب الباردة بدأ المجلس ينحرف عن مساره حتى تحول إلى أداة تخدم مصالح القوى الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي أحكمت قبضتها عليه وجعلته رهينة لإرادتها ثم سلمته في كثير من القضايا رهينة أخرى للمصالح الإسرائيلية.
لقد باتت قرارات المجلس رهينة للفيتو الأمريكي الذي استخدم عشرات المرات لإسقاط أي قرار يدين الاحتلال الإسرائيلي أو يطالب بمساءلته على جرائمه بحق الشعب الفلسطيني. من مجازر صبرا وشاتيلا إلى الانتفاضتين الأولى والثانية ومن قصف غزة في 2008 و2014 وصولا إلى الحرب الوحشية الحالية التي تحرق الأخضر واليابس كان المشهد واحدا: العالم بأسره يشهد الفظائع ويقف على منصة مجلس الأمن ممثلو الشعوب يطالبون بالعدالة ثم ما يلبث أن ترفع أمريكا يدها لتسقط العدالة صريعة في قاعة المجلس.
والمفارقة المؤلمة أن الولايات المتحدة التي تملك هذا الحق الاستثنائي ليست أهلا له فهي لا تتعامل بمنطق القوانين الدولية ولا بضمير إنساني بل بعقلية رعاة البقر”Cowboy”حيث تحكم القوة لا القانون والمصالح لا المبادئ. وعندما يتعلق الأمر بإسرائيل تسقط كل الشعارات التي ترفعها واشنطن عن حقوق الإنسان والديمقراطية وتتحول إلى محام شيطاني يبرر كل جريمة ويحمي كل مجرم.
أما الدول التي تتوجه اليوم إلى مجلس الأمن لطرح قضاياها وخاصة المآسي المستمرة في قطاع غزة والضفة الغربية فأنا مشفق عليها لأنها تعرف سلفا أن المجلس بصيغته الراهنة لن ينصف مظلوما ولن يردع ظالما بل سيقف واجهة لهيمنة أمريكية متعجرفة تدار خيوطها من قبل اللوبي الصهيوني في واشنطن الذي يحدد ما يقال وما يمنع ومن يعاقب ومن يمنح الحصانة.
التاريخ القريب مليء بالشواهد: عندما احتلت أمريكا العراق عام 2003 دون تفويض من مجلس الأمن ظل المجلس صامتا مشلول الإرادة. وعندما دمرت ليبيا وحوصرت سوريا وتقطعت أوصال اليمن كان المجلس إما متواطئا بالصمت أو مشاركا في صناعة القرار تحت لافتة حماية المدنيين التي تحولت لاحقا إلى غطاء للتدخل العسكري.
اليوم يمكن القول بمرارة إن مجلس الأمن قد مات ولم يعد له وجود فعلي. لم يعد منصة للسلام بل تحول إلى مسرح تدار فيه لعبة الأمم الكبرى وتباع فيه القرارات وتشترى حيث تدفن القوانين الدولية تحت أنقاض الفيتو وتدفن معها آمال الشعوب المقهورة. أما هيمنة أمريكا فهي ليست مجرد نفوذ بل هي وصاية كاملة على المجلس تمارسها خدمة لمدللتها إسرائيل مهما بلغت جرائمها ومهما احترقت القلوب في غزة والضفة.
في زمننا هذا لم يعد مجلس الأمن سوى شاهد زور يوقع على أحكام الإعدام الجماعية للشعوب المقهورة ويمنح الشرعية لأبشع الجرائم التي ترتكبها أكثر الأمم إجراما. لقد صار رمادا بعد أن أحرقت رسالته النبيلة بنار الفيتو الأمريكي وصار قبرا لآمال المستضعفين تحرسه واشنطن وتزينه إسرائيل ليبقى شاهدا على موت العدالة في عصر الهيمنة.
بقلم: محمد سالم المختار الشيخ




