هل المجد أن يسود منطق القوة على أنين المظلومين ، أم أن النصر الحقيقي في حماية العدالة والإنسانية؟

في المشهد السياسي الدولي، لا يمرّ يوم دون أن يثير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جدلًا جديدًا بتصريحاته، التي كثيرًا ما تجمع بين التباهي بإنجازاته والتلويح بوصفات سريعة لحلّ أعقد أزمات العالم. وآخر ما قاله كان بشأن ملف الرهائن لدى حركة حماس، إذ أكّد أن عودتهم لن تتحقق إلا عبر “مواجهة الحركة وتدميرها”، مشددًا على أن سرعة التنفيذ هي شرط النجاح.

ترامب، الذي اعتاد مخاطبة الجمهور بنبرة المنتصر حتى وهو بعيد عن السلطة، ذكّر العالم بأنه ـ وفق روايته ـ حرّر مئات الرهائن سابقًا، وأعادهم إلى إسرائيل والولايات المتحدة. بل ذهب أبعد حين قال إنه أنهى ست حروب في ستة أشهر فقط، وأنه دمّر المرافق النووية الإيرانية بالكامل. وسواء كان هذا الكلام دقيقًا أو مبالغًا فيه، فإن خطابه يكشف عن أسلوبٍ مكرور في صناعة صورته كزعيم “استثنائي”، لا يؤمن بأنصاف الحلول ولا يعترف بالمنطقة الرمادية.

لكن خلف هذه اللغة الصاخبة دلالات أبعد من ظاهرها؛ فهي ليست مجرد قراءة للواقع الدولي، بل رسالة دعائية أراد ترامب من خلالها أن يقدّم نفسه بصورة القائد الاستثنائي الذي لا يعرف التردد ولا يعترف بالمنطقة الرمادية. دعاية تُسوِّق للوهم أكثر مما تبحث عن الحقيقة، إذ تُختزل المأساة الفلسطينية في خطابٍ يجمّل صورة الكيان الغاصب ويخلّد دور ترامب الجائر في سحق حقوق الفلسطينيين ومصادرتها خدمةً للاحتلال.

وهنا يطلّ سؤال فلسفي عميق: هل يمكن للسياسة أن تكون مجرد لعبة فوز وخسارة؟ أم أن قيمتها الحقيقية تتجلى في قدرتها على منع الدمار وحماية الإنسان وصون الأرض والحقوق؟

لقد أشار الفيلسوف أرسطو منذ قرون إلى أن “غاية السياسة هي تحقيق الخير الأسمى للإنسان”، بينما اعتبر إيمانويل كانط أن الإنسان يجب أن يُعامل دائمًا كغاية لا كوسيلة. فإذا قسنا خطاب ترامب بهذه المعايير، وجدنا أنه يحوّل السياسة إلى أداةٍ لبناء صورة ذاتية، أكثر مما يجعلها وسيلةً لصون الكرامة الإنسانية أو حماية شعب تُنتهك أرضه منذ عقود. أما نيتشه فقد حذّر من إرادة القوة حين تنفصل عن الأخلاق، إذ تتحوّل إلى غريزةٍ عمياء تلتهم صاحبها قبل أن تلتهم الآخرين.

في المقابل، يرى هوبز أن البشر مدفوعون بطبيعتهم إلى الصراع، وأن الحاجة إلى السلطة القوية تنبع من الرغبة في الأمن، لكن حتى هوبز لم يقل إن الصراع بلا نهاية، بل دعا إلى عقدٍ اجتماعي يضمن الحياة المشتركة. وهنا يظهر التناقض: فترامب يرفع شعار “اللعب من أجل الفوز فقط”، بينما التجربة البشرية تُظهر أن الاستمرار في منطق الصراع وحده يقود إلى هزائم جماعية، لا إلى أمنٍ مستدام، ويحوّل قضية شعب كالشعب الفلسطيني من نداء عدالة إلى ساحة مقايضات سياسية عابرة.

إن تصريحات ترامب ليست مجرد تحليل سياسي، بل مرآة لطموح رجل يسعى لإعادة إنتاج ذاته كـ”قائد لا يُهزم”، ولو على حساب حقوق أمة كاملة. غير أن التاريخ علّمنا أن من يظن السياسة ساحةً صفرية، ينتهي غالبًا بأن يكتشف أن النصر بلا إنسانية ليس إلا هزيمةً متخفية. فكما قال تولستوي: “الحرب ليست سوى قتل جماعي منظم”، وما يبدو لبعض القادة إنجازًا عسكريًا قد يظلّ في ذاكرة الشعوب لعنةً لا تُمحى، تمامًا كما تظل فلسطين جرحًا مفتوحًا في ضمير العالم، مهما حاولت آلة القوة طمس ملامحه.

الفوز الحقيقي إذن ليس في تدمير خصمٍ أو سحق حركة، بل في القدرة على صياغة مستقبلٍ يُنقذ ما تبقّى من إنسانية هذا العالم، ويعيد لشعبٍ مغتصب حقه في أرضه وكرامته. والسياسي الذي لا يسمع أنين الأبرياء ولا يرى دموع الأطفال الفلسطينيين، إنما يلعب لعبةً خطرة، قد يربح فيها التصفيق لحظةً، لكنه يخسر التاريخ إلى الأبد.

النصر ليس صخبًا يعلو فوق ركام المدن، ولا رايةً تُرفع فوق دموع المشرّدين. النصر الحقّ هو أن يبقى القلب مضيئًا في وجه العتمة، وأن يُعاد الحق لأصحابه، وأن نحفظ للإنسان إنسانيته وسط طوفان القوة والمصالح. فكل قائد يطلب المجد بلا رحمة، إنما يلهث وراء سراب، وما من هزيمة أعمق من أن يخسر المرء ضميره وهو يظن أنه قد انتصر.

بقلم: مرزوق بن علي الزهراني

 

بقلم: مرزوق بن علي الزهراني 🇸🇦

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى