متى يصبح الرضا زاداً تتهاوى به الهموم؟

منذ أن وُجد الإنسان على هذه الأرض وهو يحمل على كتفيه أثقالًا لا تُطاق؛ أثقال القلق والاضطراب. قلقٌ على الدنيا بتقلّباتها، وعلى الرزق بخفائه وغموضه، وعلى المستقبل بما يخبّئه من غيبٍ لا يُرى. فيتعب عقله بما ليس له، ويكدح قلبه بحملٍ لم يُخلق له، حتى يغدو أسيرًا لهموم لا يملك مفاتيحها. وهنا أصل المعاناة: أن ينشغل الإنسان بما جعله الله خارج سلطانه، ويغفل عمّا أوكله الله إليه.

فالدنيا لله وحده، يقلبها كيف يشاء، يرفع أقوامًا ويخفض آخرين، ويمدُّ الظل ثم يطويه. هي مسرحٌ واسعٌ نمثّل فيه أدوارًا قصيرة، ثم نغادر، بينما تبقى اليد العليا هي الممسكة بخيوط القصة. فما جدوى أن نحمل همًّا لا سلطان لنا عليه؟

أما الرزق، فهو أكثر ما يرهق القلوب، حتى يخال الإنسان أنه ثمرة جهده وحده. غير أن الحقيقة أعمق وأبسط: الرزق نفحة من السماء، يُفتح بابه في ساعة لا تخطر على بال، ويُؤخَّر عنك أحيانًا لحكمة قد تخفى عليك. كُتب لك قبل أن تُخلق، فلا يضل طريقك، ولا يتقدّم ولا يتأخر عن ميعاده. فهل يُعقل أن يقلق العاقل على ما تكفّل به الخالق؟

وأما المستقبل، فهو الغيب المستور بستائر القدر، لا ينكشف إلا في حينه. ومع ذلك، يُفني الإنسان عمره في التوجس من غدٍ لم يولد بعد، ويبدد حاضره قلقًا على أيام لم تُكتب بعد. والحق أن المستقبل ملكٌ لله وحده، يدبره كيف يشاء، يقلبه وفق حكمته، لا كما تتوهم عقول البشر أو تخطط أيديهم.

وبين هذه الدوائر الثلاث من القلق: الدنيا، الرزق، المستقبل؛ يشرق نور الحقيقة جليًا: يكفيك همٌّ واحد، هو كيف ترضي الله. فهو الهمّ الذي يذيب ما سواه. فإذا نال قلبك رضا الله، تكفّل لك بدنياك ورزقك وغدك، وكتب لقلبك سكينة لا تزلزلها عواصف الحياة.

إنها معادلة معكوسة في منطق البشر، مستقيمة في منطق السماء: كلما امتلأ القلب بهمّ رضا الله، تساقطت عنه أثقال الحياة، وكلما انشغل بسواه، ازدادت همومه ولو ملك الدنيا وما فيها.

فإذا حملت همّ رضا الله وحده، انقشعت عن قلبك سائر الهموم، كما ينجلي الليل عند إشراق الفجر. عندها ترى أن الدنيا جسر عابر لا مقام فيه، وأن الرزق يطرق بابك كما تطرق بابه، وأن المستقبل ليس إلا كتابًا يفتحه الله في وقته المعلوم. وإذا اطمأن القلب بذكر الله، انكشفت له الحقيقة الكبرى: أن الطمأنينة ليست فيما نملك ولا فيما ننتظر، بل في أن نكون حيث يريدنا الله أن نكون.

ذلك هو السفر الحق للروح: أن تختصر رحلتك في همّ واحد، وتترك ما عداه، فتمضي خفيفًا على دروب الحياة، حتى تبلغ الغاية الكبرى: أن تلقى ربك وهو عنك راضٍ.

ولهذا، كان لزامًا على كل امرئ أن يسأل نفسه عند مطلع كل صباح: “ماذا أفعل اليوم لأرضي الله؟” فإن وجد للسؤال جوابًا صادقًا، وجد الطمأنينة، مهما ضاقت السبل وتلاطمت الأقدار.

بقلم :مرزوق بن علي الزهراني

مرزوق بن علي الزهراني 🇲🇷

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى