ملحمة العدل والزهد.. الفاروق عمر في عيون الشاعر أبو مدين ولد اباته “فيديو”

حين يستدعى اسم الفاروق، لا يستدعى رجل من صفحات التاريخ فحسب، بل تستدعى أمة في قامة إنسان؛ عدل يمشي على الأرض، وميزان لا يختل، وهيبة تقوم المعوج قبل أن تقع السيوف. عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليس سيرة تروى، بل معيار تقاس به الدول، وفكرة حية عن كيف يكون الحكم حين يتوشح التقوى، وكيف يكون السلطان حين ينحاز للحق وحده دون سواه.
في ظلال هذه المعاني السامقة، تتقدم قصيدة الأديب الشاعر أبو مدين ولد اباته، لتصوغ من المدح بناء متينا، يجمع بين جزالة اللفظ وصدق الدلالة، ويستحضر سيرة الفاروق في صور تلامس الروح وتوقظ الوجدان. كلمات تعيد رسم مشهد الإسلام وهو يشتد عوده ، وبراية ارتفعت في سماء العز حتى أعلنت أن للحق رجالا يحمونه ويذودون عنه.
يقول أبو مدين:
بِكَ الفَارُوقُ هَذَا الدِّينُ سَادَا
وَسَيْفُكَ لِلْجَهَالَةِ قَدْ أَبَادَا
رَفَعْتَ لِدِينِ أَحْمَدَ رَايَةً فِي
سَمَاءِ العِزِّ أَعْلَنَتِ الجِهَادَا
أَمَامَكَ تَرْجُفُ الكُفَّارُ خَوْفًا
وَإِذْعَانًا وَتَنْقَادُ انْقِيَادَا
سَبِيلُكَ فِي الحَيَاةِ سَبِيلُ حَقٍّ
لَهَا تَدْعُو الخَلائِقَ وَالعِبَادَا
فَحِينَ رَأَيْتَ أُخْتَكَ فِي بُكَاءٍ
لِدِينِ الحَقِّ أَسْلَمْتَ الفُؤَادَا
وَلِلْغَزَوَاتِ إِنْ سُئِلَتْ جَوَابٌ
بِهِ مَنْ كَانَ يَشْهَدُهَا أَشَادَا
وَيَوْمَ دُخُولِكَ الإِسْلامَ ضَاقَتْ
صُدُورُ الكُفْرِ مُعْلِنَةً حِدَادَا
وَسُرَّ المُسْلِمُونَ لِمَا رَأَوْهُ
وَكُلُّهُمُ بِهِ فِي النَّاسِ نَادَى
وَحَصْرُ شَمَائِلِ الفَارُوقِ أَمْرٌ
سَيُعْجِزُ مَنْ لَهُ يَوْمًا أَرَادَا
ولأن المدح الحق لا يقوم على العاطفة وحدها، بل يستند إلى سيرة تشهد لها الوقائع، فإن الفاروق يطل من خلال هذه الأبيات بما عرف به من عدل صار مضرب المثل، لا يفرق بين قوي وضعيف، ولا يزن الناس إلا بميزان الحق. زهد يزاحم المُلك، وتواضع يلازم الهيبة، وقوة في الحق لا تعرف التردد، حتى صار صوته حين يعلو إنما يعلو للإنصاف، لا للبطش ولا للهوى.
ولم يكن عمر قائدا بالسيف وحده، بل كان قلبا رحيما يحمل هم الرعية، يسهر ليلا ليتفقد أحوالهم، ويخشى أن يسأل عن دابة عثرت في طريق لم يمهد لها. عقل راجح يستشير، ويؤسس، ويبتكر، فكان سباقا إلى تنظيم الدولة، ووضع التاريخ، وترسيخ مفهوم الإدارة الراشدة قبل أن تعرف نظرياتها بقرون.
وتزداد القصيدة ألقا حين تتوشح بصوت الشاعر والمنشد المعروف عبد الله ولد أغشممت، إذ تتحول الكلمات إلى نبض مسموع، وإلى تجربة سمعية تعيد تشكيل المعنى في وجدان المتلقي، فتغدو الأبيات جسورا بين التاريخ والحاضر، وبين السيرة والإحساس، في أداء يجمع بين الوقار والتأثير.
يمكنكم الاستماع إلى الأداء الصوتي الكامل لهذه القصيدة عبر الرابط المنشور على قناة “الحدث ميديا” على موقع يوتيوب:



