حين صار الحق تهمة… والأب متهمًا

هل أضحت المطالبة بالحقوق من الكبائر؟
وهل أصبح الوالد الذي يشتاق إلى أبنائه خارجًا عن القانون؟
وهل تحول دور الأب — الذي كان بالأمس راعيًا وسندًا — إلى “مشتبه به” في مراكز الشرطة، لمجرد أنه طلب لقاء من كان بالأمس يربت على رؤوسهم وهم نيام؟

نعيش زمنًا غريبًا،
زمنًا انقلبت فيه القيم تحت عباءة الحريات الشخصية،
وأُفرغت مفاهيم البرّ والرحمة من مضمونها، حتى أصبح من الطبيعي أن تطلب الزوجة الطلاق، أو تُقدم على خلع بعلها بقوة النظام، في ثوانٍ معدودة، دون أدنى تفكير في الآثار المستقبلية.

لكن…

ما هو غير الطبيعي، أن تتمرد الفتيات، فلذات الأكباد، وتغادر الواحدة بيت أبيها في لحظة حرجة من العمر، ثم إذا بأبٍ أفنى عمره في التربية والحماية يُهدَّد بالسجن إن هو سأل، أو طالب، أو حتى اشتاق.

يا الله…
أي قانون هذا؟
وأي عدل يُغرس في الأرض إن كان الأب يُجلد بسياط الحنين؟
أي نظام يشرّع للفتاة — لمجرد أنها بلغت الثامنة عشرة — أن تختار مصيرها، وأن تتجاهل وصية خالقها، ثم يُلقى القبض على والدها لأنه قال: “عودي يا ابنتي، هذا بيتك.”

إنها ليست قصة فرد،
ولا وجع رجل لم يرَ ابنته منذ سنوات،
إنها قضية مجتمع يُنتزع من جذوره بهدوء، باسم الحداثة، وبذريعة الحريات.

صار القانون في كثير من الحالات لا يسأل:
ما الذي دفع الفتاة للرحيل؟
من الذي حرّضها؟
هل الأب عنيف حقًا أم أن هناك رواية أخرى لا أحد يريد سماعها؟

لكن السؤال الأكثر وجعًا:
من يحمي الأب اليوم؟
من يعيد إليه ابنته التي تاهت في الزحام، والتي لم تجد من يمنعها من الانفلات لا بالخلق، ولا بالدين، ولا حتى بالعرف؟

أصبحنا اليوم أمام واقع مخيف:
الفتاة لا تُسأل، ولا تُلام، ولا تُردّ،
والأب يُشهّر به، ويُهدَّد، ويُحاكم،
حتى أصبح الخيار أمامه إما أن يبتلع وجعه بصمت، أو أن يبتلع السجن حياته.

لكن…
هل يسجن الشرف؟
هل تعاقَب الكرامة؟
هل صار “أبي” لقبًا خطيرًا يستوجب الترخيص؟

ما يحدث ليس حرية،
بل انفلات باسم القانون، وسكوت باسم التقدم، وموت بطيء للأبوة.
نظام يشرّع أبواب البيوت ليخرج منها الاحترام، ثم لا يعود أبدًا.
وكلما اشتكى أب على أعتاب قسم، قيل له: “أنت السبب، الفتاة بالغة، وهي حرّة، ولا شأن لك.”

لكن،
من يسأل الطفلة التي بكت يومًا لأن والدها تأخر عن المنزل؟
من يعيد العلاقة التي مزقها محامٍ في جلسة لا تستغرق ساعة؟
من يعيد البنت إلى بيت أسرتها دون أن تُكسَر كرامتها أو يُهان والدها؟

ما أخشاه،
أن يأتي يوم يقول فيه الأب لإولاده:
“لا تنادونني بأبي… حتى لا أُتهم بالسيطرة.”
“لا تشتاقوا… حتى لا تُبلغوا.”
“لا تطرقوا الأبواب… فإن خلفها قانون لا يرى الدموع.”

وتأسيسًا على ما سبق، فإن الحرية ليست في أن تُنزع الأب من حياة بناته،
ولا في أن يُعامَل الحب كخطر يجب تحييده.
الحرية الحقيقية،
أن تُعطى لكل ذي حق حقه… دون أن يُجلد على أعتابه.

فمن كان أبًا بحق،
لا يُعامل كخصم،
ولا يُجعل عدوًا في بيت هو من بناه.

بقلم: مرزوق بن علي الزهراني

مرزوق بن علي الزهراني 🇸🇦

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى