بين القوة والدم.. الوجه المظلم لحركة حماس في غزة

ما نشهده اليوم في غزة ليس مجرد صراع سياسي داخلي أو اختلاف في الرأي، بل انكسار أخلاقي وفكري في جوهر المشروع الذي حملته المقاومة الفلسطينية لعقود. المشاهد التي وثقتها الكاميرات لقوات حماس وهي تمارس أبشع أشكال العنف ضد أبناء جلدتها — كسر عظام، إعدامات في الشوارع، إذلال الناس أمام أهلهم — ليست مجرد انتهاك لحقوق الإنسان، بل طعنة في صدر القضية نفسها. حين يتحول المقاوم إلى جلاد، والراية التي كانت ترفرف ضد الظلم تلطخ بدم المظلومين، يكون الشعب بأسره أمام كارثة أخلاقية لا تقل فداحة عن الاحتلال ذاته.

الوحشية والسادية التي تمارس ضد المخالفين، أيا كان تصنيفهم أو موقفهم، لا يمكن تبريرها باسم “الأمن الثوري” أو “التطهير الداخلي”. القسوة التي شاهدناها في بعض الفيديوهات لا تختلف جوهريا عن ما كانت تفعله جماعات إرهابية مثل داعش والقاعدة، حيث يحول “العدو” إلى كل من يختلف، و”الخيانة” إلى تهمة جاهزة لتبرير القتل. إنها لغة الدم حين تبتلع لغة العقل، ونقطة اللاعودة حين تتغول السلطة باسم المقاومة، فتتحول من حماية الشعب إلى إرهاب داخلي.

لقد شوهت هذه الممارسات صورة الحركة في الخارج كما لم تفعل إسرائيل بكل دعاياتها. العالم الذي كان يرى في غزة رمزا للبطولة والمظلومية، بدأ يراها الآن ساحة قمع داخلي ودما يسفك بلا محاكمة. ما كان يمكن للمحتل أن يحققه بالبروباغندا الإعلامية، حققته الحركة بجهلها وغرورها الدموي. كل مشهد من مشاهد الإهانة والضرب والإعدام يلغي آلاف البيانات التي ترفع شعار “الحرية”، ويجعل العالم يشكك في مشروع المقاومة نفسه.

ليس من حق أي حركة مقاومة أن تستخدم العنف ضد أبناء شعبها كأداة للسيطرة. الأمن الداخلي الذي يتحول إلى سيف على رقاب الناس يصبح مجرد نسخة مشوهة من أجهزة القمع التي ثار عليها الفلسطينيون يوما. لا مقاومة بلا حرية، ولا حرية مع الخوف. من يطالب العالم بالعدل عليه أولا أن يقيمه بين صفوفه، ومن يرفع شعار “الكرامة” لا يحق له أن يسحق كرامة الفلسطيني لمجرد أنه خالفه في الرأي.

التاريخ لا يرحم من يبرر الدم. ما نراه اليوم هو تحلل أخلاقي كامل تحت راية المقاومة، وتحويل فكرة التحرير إلى أداة للهيمنة والقمع. المقاومة ليست ملكا لحزب ولا لتنظيم، بل هي حق الشعب بأكمله، وكل من يحتكرها ليفرض سلطته أو يرهب خصومه يغتال روحها من الداخل. المقاومة قامت لتدافع عن الحياة، لا لتعيد إنتاج الموت بزي آخر وشعار مختلف.

بهذه الممارسات، لا تضعف الحركة نفسها فقط، بل تضعف القضية الفلسطينية كلها. العالم الذي يراقب كل مشهد وكل لقطة لا يرى الفارق بين رصاصة الاحتلال ورصاصة تطلق باسم “التحرير”. كلتاهما تقتل الفلسطيني الأعزل، وكلتاهما تمحو صورة العدل من المشهد. الدم الفلسطيني الذي كان يوحد الأمة بات اليوم يفرقها بين من يبرر ومن يلعن، وهذا أخطر ما يمكن أن تفعله حركة مقاومة بنفسها: أن تفقد البوصلة الأخلاقية وتغرق في وحل السلطة الذي غرق فيه من قبلها كثيرون.

لا قيمة لأي صاروخ يطلق إن كانت اليد التي تضغط الزناد ملوثة بدم الأبرياء. ولا معنى لأي خطاب عن “التحرير” حين يساق الفلسطينيون إلى المقابر بأمر من إخوانهم لا من عدويهم. المعركة الكبرى ليست فقط ضد الاحتلال، بل ضد الوحش الذي يتربص داخل النفس حين يغيب الضمير. الاحتلال الخارجي قد يسقطه النضال، أما الاحتلال الداخلي فلا يسقط إلا بثورة الوعي، وثمنها دائما أغلى وأطهر.

غزة لا تحتاج إلى مزيد من الرصاص، بل إلى وقفة ضمير. إلى لحظة شجاعة يعترف فيها القادة قبل الجنود أن الحرية لا تبنى على جثث الأبرياء. من أراد تحرير الأرض، فليحرر الإنسان أولا، ومن أراد القتال ضد العدو، فليكف عن قتل نفسه. المقاومة التي تفقد إنسانيتها تصبح عبئا على قضيتها، وحين يتحول الثائر إلى طاغية، يموت المعنى الذي خرج من أجله.

القضية الفلسطينية أعظم من حزب أو فصيل، وأكبر من شعارات ترفع في زمن الحرب. إنها قضية شعب يريد أن يعيش بكرامة لا أن يدفن باسم “المصلحة”. ولن ينتصر هذا الشعب إلا حين يستعيد أخلاقه، وحين يعيد تعريف المقاومة لا كسلاح يخيف، بل كقيمة تنقذ. الدم الفلسطيني الذي يراق اليوم ليس مجرد دماء، بل مرآة تصنع مستقبل القضية، ومستقبل غزة نفسها.

بقلم : محمد سالم المختار الشيخ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى