المعلمات في الصفوف الأولية، حجر الأساس لبناء جيل قارئ ومتمكن

لا يختلف اثنان على أن مراحل التعليم الأولى تمثل اللبنة الأهم في بناء شخصية الطالب العلمية والمعرفية، فهي المرحلة التي تتشكل فيها مهارات القراءة والكتابة، وتتكون خلالها علاقة الطفل بالمدرسة والتعلم. ومن واقع تجربة شخصية صادقة، أجد نفسي أمام حقيقة واضحة لا يمكن تجاهلها: المعلمات هنّ الأقدر والأجدر على إعداد أبنائنا في الصفوف الأولية، من الصف الأول حتى الصف الثالث الابتدائي.

ابنتي التي تدرس حاليًا في الصف الثاني الابتدائي أصبحت – ولله الحمد – قادرة على القراءة والكتابة بطلاقة لافتة، ولم يقتصر تميزها على النصوص المنهجية، بل امتد ليشمل قراءة نصوص خارجية وفهمها بسلاسة وثقة. هذا المستوى المتقدم لم يأتِ من فراغ، وإنما هو ثمرة جهد، وإخلاص، وحرص تربوي عالٍ بذلته معلمات فاضلات أدين لهن بالفضل بعد الله.

وأخص بالذكر الأستاذة نورة العتيبي التي أشرفت على تعليمها في الصف الأول الابتدائي، فكانت نموذجًا للمعلمة الواعية بدور المرحلة، الحريصة على ترسيخ أساسيات القراءة والكتابة بأساليب تربوية محببة للطفل. كما لا يفوتني أن أشيد بدور الأستاذة جهير العثمان، التي تواصل اليوم في الصف الثاني الابتدائي المسيرة نفسها، متابعةً، وتوجيهًا، واهتمامًا، مما انعكس بشكل مباشر على تطور مستوى الطالبة بشكل مذهل وواضح.

وفي المقابل، أجد نفسي أمام صورة مغايرة تمامًا مع ابني الذي يدرس في الصف الثاني المتوسط، ولا يزال يعاني من مشكلات كبيرة في مهارات القراءة والكتابة، وهي مشكلات كان من الممكن تداركها لو أُحسن التعامل معها في الصفوف الأولية. ومن دون حرج، فإن جزءًا كبيرًا من المسؤولية – في رأيي – يقع على عاتق من تولّى تدريسه في تلك المراحل المبكرة، حيث لم تُبنَ المهارات الأساسية بالشكل الصحيح.

من هنا، أجدها فرصة لرفع صوتي عاليًا ومناشدة أصحاب القرار في وزارة التعليم لإصدار قرار جريء وحاسم، يقضي بإسناد تدريس الصفوف الأولية (من الصف الأول إلى الصف الثالث الابتدائي) للمعلمات في جميع مدارس المملكة العربية السعودية. فالتجربة أثبتت أن المعلمات يمتلكن الصبر، والاحتواء، والقدرة على التعامل مع خصائص هذه المرحلة العمرية الحساسة، بما يضمن تأسيسًا متينًا للطفل علميًا ونفسيًا.

على أن يبدأ دور المعلمين بعد ذلك من الصف الرابع الابتدائي، حين يكون الأبناء قد امتلكوا أدوات القراءة والكتابة، وأصبحوا على استعداد تام لتحمل متطلبات المرحلة التالية من التعليم.

إن الاستثمار الحقيقي في التعليم يبدأ من الصف الأول، والمعلمة المخلصة في هذه المرحلة ليست مجرد ناقلة معرفة، بل صانعة مستقبل. والتحية لكل معلمة أدركت عِظم الأمانة، فزرعت حرفًا، وبنت عقلًا، وأضاءت طريق طفل نحو النجاح.

بقلم: مرزوق بن علي الزهراني

مرزوق بن علي الزهراني 🇸🇦

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى