الاستقرار النفسي في ميزان الإيمان

لو كُشف للإنسان الغيب، ورأى مآلات الأمور قبل وقوعها، لما اختار لنفسه إلا ما اختاره الله له. فخلف الأقدار حكمة، وخلف المنع عطاء، وخلف التأخير لطف، وخلف الابتلاء اصطفاء. هذه الحقيقة الإيمانية العميقة هي مفتاح السكينة، وجوهر الاستقرار الذي ينشده الإنسان في عالمٍ مضطرب، تتقاذفه المخاوف وتستنزفه التعلقات.

إن المؤمن الحق لا يعيش صراعًا دائمًا مع الحياة، لأنه سلّم قياده لله، وأذعن لأمره، وانكسر بين يديه انكسار العارف بحقيقة نفسه، العاجز بقوته، الغني بربه. فهو يعلم أن كل ما يجري في هذا الكون إنما يجري بتقدير الله، وأن اختيارات الله له أرحم به من اختياراته لنفسه، وأعلم بمصلحته من هواه ورغباته.

وهنا يتجلى معنى الاستقرار الحقيقي؛ ذلك الاستقرار الذي لا تمنحه الأموال، ولا المناصب، ولا العلاقات، بل يولد من رحم التوحيد الخالص، حين لا يربط الإنسان قلبه إلا بالله. فلا يخاف إلا منه، ولا يرجو إلا إياه، ولا ينكسر قلبه إلا بين يديه. استقرار لا تهزه تهديدات البشر، ولا تقلقه تقلّبات الأيام، لأنه متصل بمصدر القوة الذي لا يزول.

وحين يستقر التوحيد في القلب، تتغير نظرة الإنسان للناس. فلا يمنحهم في قلبه منزلة لا تليق إلا بالله، ولا يراهم مصادر نفع أو ضر مطلقة. يدرك أن البشر، مهما علا شأنهم وارتفعت مكانتهم، لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم شيئًا إلا بإذن الله. هم أسباب، لا أكثر، وأدوات تجري عليهم إرادة الله، لا يتقدمون خطوة ولا يتأخرون إلا بما كُتب لهم.

ونخلص إلى القول، بأن السكون الحقيقي ليس حالة عابرة، ولا ثمرة ظرفٍ مواتٍ، بل هو مقام إيماني راسخ، يبدأ بإعادة ترتيب القلب وردّه إلى موضعه الصحيح: إلى الله وحده. فحين يتحرر القلب من التعلّق بغيره، ويطمئن لاختياره، ويرضى بقضائه، يولد السلام، ويتحقق الرضا، ويثبت الإنسان أمام تقلبات الحياة، مستندًا إلى يقين لا يتزعزع بأن ما اختاره الله له هو الخير كل الخير، وإن خفيت حكمته أو تأخر عطاؤه.

بقلم : مرزوق بن علي الزهراني

مرزوق بن علي الزهراني 🇸🇦

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى