قد تتأخر العدالة ولكنها لا تضيع
في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث، ويظنّ فيه بعض الناس أن العدالة قد تتأخر أو تغيب، تظلّ حقيقة راسخة لا تتبدّل: قد تُبطئ الأيام خطاها، لكنها لا تُخطئ طريقها. فكل فعل، مهما بدا صغيرًا أو خفيًا، له وزنه وأثره، وإن كان مثقال ذرّة.
قد يظنّ الإنسان أن ما يزرعه اليوم لن يُحاسَب عليه غدًا، أو أن النفوذ والمال والمكانة قادرة على طمس الحقائق وتأجيل الحساب. غير أن الأيام تدور، والميزان لا يميل إلا بالعدل. فما نسقيه لغيرنا سنُسقى به، خيرًا كان أو شرًا، عاجلًا أو آجلًا.
إن الغرور بالجاه أو النسب أو المنصب وهمٌ قصير العمر؛ فكلها زينة زائلة، لا تصمد أمام ميزان الحق يوم تُكشف السرائر، ولا تنفع صاحبها إذا وقف وحيدًا بين يدي الله. هناك، لا يُسأل الإنسان عمّا كان يملك، بل عمّا كان يعمل، ولا يُقاس بعلو شأنه بين الناس، بل بثقل أفعاله في ميزان العدل.
وقد تخدعنا الحياة أحيانًا بمظاهر القوة والانتصار المؤقت، فنحسب أن الظلم قد انتصر، وأن الحق قد اندثر. لكن الحقيقة أعمق من ذلك؛ فالبضاعة تعود إلى صاحبها كما خرجت منه تمامًا، لا نقصان فيها ولا زيادة. وكل نفس بما كسبت رهينة، لا يحمل عنها أحد وزرها، ولا تنفعها أعذار الزمن.
وتأسيسًا على ما سبق، فهذه رسالة تذكير لا وعظًا، ودعوة للتأمل لا تهديدًا: كن عادلًا ولو في الخفاء، رحيمًا ولو لم يرك أحد. فسيأتي اليوم الذي يُرفع فيه النقاب، وتنكشف فيه الحقائق، ويُعرف فيه كل ذي حقٍّ حقه. فالله لا ينسى، والعدل لا يضيع، والأيام وإن تباطأت لا تُخطئ أبدًا:
سهامُ الليلِ لا تُخطئُ، ولكنْ لها أمدٌ، وللأمدِ انقضاءُ.
بقلم: مرزوق بن علي الزهراني




