المختار ولد داداه… الرجل الذي بنى الدولة من الفراغ وأعطاها اسما وصوتا ومكانا بين الأمم

في كل مرة تقترب فيها موريتانيا من موعد 28 نوفمبر، ذلك التاريخ الذي تحول من يوم إعلان الاستقلال إلى يوم مراجعة الذات الوطنية، يعود اسم المختار ولد داداه إلى الواجهة، لا كذكرى تاريخية فحسب، بل كمرجع مؤسس، وكجسر لا يمكن تجاوزه لفهم الكيان الموريتاني نفسه. الرجل لم يكن مجرد أول رئيس للجمهورية، بل كان المعادلة التي نشأت منها الدولة: الفكرة، والرؤية، والهيبة، والقدرة على تحويل المستحيل إلى واقع.

عندما تولى المختار قيادة البلد، لم يكن أمامه نموذج جاهز ولا بنية مؤسسية ولا خزائن عامرة. لم تكن هناك طرق تربط المدن، ولا إدارات تستند إليها الدولة الوليدة، ولا نخبة سياسية قادرة على حمل مشروع وطني واضح. كان المشهد خليطا من التشتت الجغرافي، والضعف الاقتصادي، وهشاشة البنى التقليدية، وأطماع الجيران، وتشكك القوى الدولية التي رأت في موريتانيا “منطقة رمادية” أكثر مما رأتها دولة قابلة للحياة. ورغم ذلك، أصر الرجل على أن تسمع كلمة موريتانيا، وأن ترى على الخرائط، وأن تقوم على أرضها دولة اسمها موريتانيا، لا هامش تابع ولا صحراء سائبة.

المختار ورفاقه—تلك النخبة المبكرة التي راهنت على مستقبل بلدها دون ضمانات—خاضوا معركة التأسيس وهم يدركون أن الخطأ غير مسموح وأن الوقت ليس في صالحهم. لم يكن الاعتراف الدولي أمرا مفروغا منه، بل كان مشروعا يحتاج إلى دهاء سياسي، وحنكة دبلوماسية، وحضور ذهني من طراز رفيع. ومع ذلك، انتزعت موريتانيا اعتراف العالم، خطوة بخطوة، حتى أصبحت عضوا في الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية وجميع الهيئات الدولية ذات الشأن. هذا لم يحدث صدفة ولا مجاملة؛ حدث لأن هناك رجلا حمل مشروع دولة في ذهنه قبل أن توجد على الأرض.

يكفي الرجل فخرا أنه سلم للموريتانيين دولة لها حدود معترف بها، وسيادة لا ينازعها أحد، وعلم يرفرف، وجواز سفر يفتح الأبواب، وبطاقة تعريف تثبت الانتماء إلى وطن اسمه موريتانيا. هذه ليست أمورا رمزية أو بسيطة؛ هذه أركان وجود الأمة. والحديث اليومي عنها قد يجعل البعض ينسى أنها في زمن المختار كانت أحلاما بعيدة، ثم تحولت إلى واقع ملموس بجهد ومسؤولية وصبر إستراتيجي.

أما الذين يحاولون النيل من سيرة المختار أو التقليل من دوره، فهم—بكل بساطة—يخطئون في قراءة التاريخ. التشويه هنا ليس رأيا، بل تجن على الذاكرة الوطنية. المختار رجل دولة من الطراز الذي لا يتكرر كثيرا، وموريتانيا مدينة له بما لا يمكن أن يختزله تعليق عابر أو مزاج سياسي ظرفي. جزاؤه الحقيقي ليس في أيدي الناس، بل في يد من يعلم ما بذل وما قدم.

واليوم، ونحن نستعد لعيد الاستقلال، يصبح الحديث عن المختار ولد داداه ليس استحضارا للماضي فحسب، بل تذكيرا بأن مشروع الدولة لا يزال عملا مستمرا، وأن البداية التي وضعها الرجل تفرض على الأجيال اللاحقة مسؤولية البناء، لا مسؤولية الهدم أو النكران. فالتاريخ لا يكتب بالهوى، ولا تقاس قيمة الرجال بالضجيج، بل بما تركوه من أثر في أعماق الزمن.

وفي النهاية، يبقى المختار ولد داداه حجر الأساس. رجل آمن ببلد لم يكن موجودا إلا في خرائط الخيال، ثم خرج به إلى العالم دولة كاملة الأركان. وإن كان لكل أمة آباء مؤسسون، فموريتانيا وجدت في المختار والدها الأول، ووجدت في سيرته مرجعا لا يشيخ، مهما تغيرت الأزمنة.

بقلم : محمد سالم المختار الشيخ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى