تحولات جامعة الملك سعود في ضوء القرارات الأخيرة

في خضم التحولات الكبرى التي تشهدها منظومة التعليم في المملكة العربية السعودية، يبرز قرار جامعة الملك سعود بإعادة هيكلة بعض كلياتها وأقسامها كخطوة أثارت نقاشًا واسعًا بين المتابعين. وبين من يقرأ القرار بسطحية بوصفه “إلغاءً” ومن يتأمله بعمق بوصفه “إعادة توجيه”، تتضح أبعاد أكثر استراتيجية تتجاوز اللحظة الراهنة.
الحقيقة التي ينبغي الانطلاق منها هي أن الجامعات لم تعد مؤسسات تقليدية تمنح الشهادات بقدر ما أصبحت محركات رئيسة للاقتصاد والمعرفة. وفي هذا السياق، فإن أي قرار بإلغاء أو دمج أقسام لا يُفهم بمعزل عن التحولات الكبرى في سوق العمل، ولا عن متطلبات المرحلة التي تمر بها المملكة، خصوصًا في ظل دخولها ما يُعرف بـ النافذة الديموغرافية، وهي مرحلة تاريخية تمتلك فيها الدول فرصة ذهبية للاستثمار في طاقاتها البشرية الشابة.
من هنا، يمكن قراءة ما قامت به الجامعة باعتباره استجابة واعية لواقع جديد، لا مجرد تقليص أكاديمي. فالتخصصات التي لم تعد تواكب احتياجات السوق، أو التي تشهد تشبعًا في مخرجاتها، تصبح عبئًا على الخريج قبل أن تكون عبئًا على المؤسسة. وفي المقابل، تتطلب المرحلة تعزيز تخصصات نوعية ترتبط بالاقتصاد المعرفي، والتقنيات الحديثة، والصناعات المستقبلية.
ويمكن القول إن هذا التحول لا يعني التقليل من قيمة العلوم الإنسانية أو اللغات، بل يعكس حاجة إلى إعادة تقديمها بصيغ أكثر ارتباطًا بالواقع، كأن تُدمج مع مجالات تحليل البيانات، أو الإعلام الرقمي، أو السياسات العامة. فالمشكلة ليست في “التخصص” بحد ذاته، بل في كيفية توظيفه ضمن منظومة إنتاجية حديثة.
كما أن القرار يعكس توجهًا أوسع يتناغم مع مستهدفات رؤية المملكة العربية السعودية 2030، التي أطلقها عرّابها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء حفظه الله، التي تركز على بناء اقتصاد متنوع قائم على المعرفة، وتقليل الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل. وفي هذا الإطار، تصبح الجامعات مطالبة بأن تكون أكثر مرونة، وأسرع استجابة، وأكثر جرأة في اتخاذ قرارات قد تبدو صعبة على المدى القصير، لكنها ضرورية على المدى البعيد.
ولعل التجارب العالمية تؤكد على أن الدول التي أحسنت استثمار النافذة الديموغرافية لم تعتمد على التوسع الكمي في التعليم، بل على تحسين نوعيته وتوجيهه بما يخدم الاقتصاد. وتبرز هنا تجربة سنغافورة بوصفها نموذجًا دالًا؛ إذ أعادت هيكلة برامجها التعليمية بما يتوافق مع احتياجاتها التنموية، وقلّصت بعض التخصصات التقليدية لصالح التخصصات التقنية والمهنية، ولم تتردد في تعديل أو إلغاء برامج لم تعد ذات جدوى اقتصادية. ونتيجة لذلك، تحولت من دولة محدودة الموارد إلى مركز مالي وتقني عالمي. وتكشف هذه التجارب أن نجاح الدول لا يُقاس بعدد الخريجين، بل بقدرتهم على الإنتاج والابتكار وخلق القيمة.
وتأسيساً على ما سبق، فإن قرارات الإلغاء قد تبدو مؤلمة للبعض، لكنها في جوهرها تعبير عن تحول استراتيجي أعمق: الانتقال من تعليم يكدّس الشهادات إلى تعليم يصنع القيمة. وبينما تتسارع التغيرات عالميًا، يبقى السؤال الحقيقي والهام: هل نُبقي على ما اعتدناه، أم نمتلك شجاعة التغيير؟
ومضة رأي
اختار أصحاب القرار في الجامعة الطريق الأصعب، لكنه غالبًا الطريق الصحيح، إذ يُقرأ القرار بوصفه امتدادًا لرؤية تستشرف المستقبل لا إدارةً للحاضر فقط.
بقلم: مرزوق بن علي الزهراني




