حقيقة الحَاكِم الدِّيمقراطي الإسلامِيَّة بين رِهانات العَوْلَمَة وأحداث الأَلْفِيَّة

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالَمين وآله و صحبه وسلم.
قال تعالى : (( إن الدين عند الله الإسلام )) الآية.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مَثَلي ومَثَلُ مَن قَبلي كمَثَل رَجُل بَنَى بُنيانًا ، فَأَحسَنَه و أَجْمَلَه إلا مَوضِع لَبِنَةٍ في زاوِيَّةٍ مِن زَواياه ، فأنا تِلكم اللَّبِنَة وأنا خاتم النبيين.
أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
يقول الشاعر عمرو بن كلثوم:إذا بَلَغ الفطام مِنا صَبي ** تَخِرُّ له الجَبابِر ساجِدينا
فَتُأخذ يا أبناء وبنات شنقيط أرض الأجداد ومُستقبل الأحفاد ومَصيَدَة الأنداد و رِهانَ وحَكامَةَ الرَّشاد ؛ بالجمهورية الإسلامية الموريتانية.
العِبرة والعِبَر مِن المَعاني ، لإستثمار الحُلول الدَّواني ، وتَذليلَ الصِّعابَ العَويصاتَ بالسِّحرَ البَياني ، وكذا النُّصحَ كما على اللِّسان الحَيواني ، للإستطدراد واستنارة الحِجَا الإنساني :
حَطّ غُرابٌ فَوقَ شَجَرَهْ ^^ و جُبنَةٌ في فَمِهِ مُدَوَّرَهْ
أَبصَرَها الثَّعلَبُ مِن بَعِيدِ ^^ ثُمَّ رَآها كَهٍلالِ العِيدِ
فَجاء يجزلُ المَدحَ للغُرابِ ^^ كأنَّهُ مِن جُملَةِ الأصحابِ
يَقولُ يا غُرابُ يابْنَ صِهرِ ^^ وَجْهُكَ هذا أَمْ غِيَّابُ البَدرِ
لله ما أحلاكَ حِينَ تَنجَلِ ^^ صَوتُكَ أحلى مِن صَفيرِ البُلبُلِ
ها أنا أريدُكَ أن تُغنِّي ^^ لَعَلَّ اللهَ يُزيلُ الحُزنَ عَنِّي
فَصَدَّقَ الغُراب قول الثعلَبِ ^^ وَحَرَّكَ المِنقارَ فِعلَ المُعجَبِ
وقال يَا لِيلْ بِكُلِّ عَزمِهِ ^^ فَسَقَطَت جُبنَتهُ مِن فَمِهِ
قَبَضَها الثعلَبُ قَبْضَ الرُّوحِ ^^ و قال في بَطنِي حَلَا لاً رُوحِ
ثُمَّ رَنَى للطَّائِرِ الغَبِيِّ ^^ و قال قَولَ الحَاذِقِ الذَّكِيِّ
خُذها نَصيحَةً يا سَيِّدَ الغِربانِ ^^ واحفَظها للآتي مِن الأزمانِ
مَن يَقبَلِ الْمَدحَ مِن أعدائِهِ ^^ يَعِشْ حَزينًا أو يَمُت بِدائِهِ.
يَقولُ العبدُ الجاهلُ الذليلُ الفقيرُ الحقيرُ ، الراجي عفو ورحمة ربه جل وعلا.
قال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى :
يَعُدُّ جَميعَ الناس مَولاً لأنهم ** على ما قَضاهُ اللهُ يَجرُنَ أَفعُلاَ
يَرى نَفسَهُ بِالذَّمِّ أولى لأنها ** على المَجدِ لم تَشرَبْ مِن الصَّافِ والآلَى.
وقال غيره :
مِلئَ السَّنابِل التي تَنحَنِي بِتواضُعٍ @ والفارِغاتُ رُؤوسُهُنَّ شَوامِخُ.
وبعد :
فإنه لا إقصاء و لا تَنازُع ، للبقاء لأنه يؤدي إلى الفناء.
وكما هو في قول العَرَبي :
إذا شَكَت الغَورِ مِن بطنِ عَالِجٍ % فَقولا لها ليسَ السَّبيلُ هُنالِكِ.
فالسبيل أي الطريق هي الخبر عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
والطريق هي العَقلُ أيضا الذي يَعقِلُ صاحبه عن الزلل و الزيغي والشطط وبه يَعرِف العِلل و مَكامِن الخلل.
وقد قيل في المَثَل العربي قديما :
ما أشبه حَجَلَ التِّلاَلِ بألوان صَخرهَا.
وكما يقال كذالك في الحكمة :
ليس النجاح الوصل للقمة بل النجاح الحفاظ عليها .
وكما أنه أحيانا أيضا يا إخوتي قد يكون الأمر :
أمر طويل الذَّيلِ قَليلُ النَّيلِ ، وكما المُعاصَرَة تَنفي المُناصَرة ، حين تَكون المُآمَرَة الأيديولوجيَّة أَعنَفُ مِن الحروب البيولوجيَّة ، مُتَمَثِّلَةً في القَشَّة التي قَسَمَت ظَهرَ البَعِير.
فإني أطرح تساؤلات على مَن يَحكُم على المسلمين بالكُفرِ الصريح بِمُمَارَسَةِ الديمقراطيَّة ؛ فَهل وَرَدَ نص صَريح في كُفرِ مَن يُمارِسُ مُقتَضئ كلمة الديمقراطية؟ وهل هي كلمة عَرَبِيَّة ؟.
الجواب : لا ، إذًا ماهو المَعنَى الذي يَقصِدُ المُدَّعي للتمسَّك بالسُّنَّة بكلمة الديمقراطية؟ أَيَجعَلُ كلمة الديمقراطية معناها هو الحُكمُ بِغَيرِ ما أَنزَلَ الله؟ ، أم هو اختيار مَن يَكونُ خَلِيفَة للمسلمين عن طريق صناديق الإقتراع؟ .
فإذا كان يَقصد المدعي للتمسك بالسنة المعنى الأول ؛ وهو الحُكمُ بغير ما أَنزلَ الله ، فذالك خطأ ومُجانبة للصواب مِن شخصه الكريم.
لأن ذالك كُفرٌ غير مُخرِجٍ عن الإسلام ، إلا أن يكون صاحبه يَجحَد ما أَنزلَ الله و يَجعَل ما حَكَمَ به مُنزل مِن عِندِ الله.
قال الشاعر :
هَلُمَّ إلى المَيدان مَن كان مِنكُمُ ** يُحِبُّ نِضالاً في العَويصاتِ والشِّعرِ
ففي تفسير ابن جرير الطبري عند قوله تعالى: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) ( وأولئك هم الظالمون ) و ( وأولئك هم الفاسقون ) ؛ قال ابن جرير الطبري في تفسير الآيات :
حدثنا هناد قال حدثنا وكيع و حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبي عن سفيان عن مَعمَر ابن راشد عن طاووس عن أبيه عن ابن عباس ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) ؛ قال هِيَّ بِهِ كُفرٌ وليس كُفرًا بالله وملائكته وكتبه و رسله. انتهى من تفسير ابن جرير الطبري بلا زيادة.
وحديث تفسير ابن عباس للآيات الذي أوردها هنا إبن جرير الطبري، رواه الحاكم في المستدرك باختلاف في ألفاظه وقال حديث صحيح الإسناد ولم يُخرِجاه ، ووافقه الذهَبي.
قُلتُ : ولا يَخفى أن أعلَمَ الصحابة بتفسير القرآن الكريم هو ابن عباس رضي الله عنهما ؛ وقد فسر الآية أن الحُكمَ بغيرِ ما أنزل الله الذي ورد في نص الآية غير مُخرِج عن الإسلام.
فكيف يا سادَتي أبناء شنقيط يَرحَمُنا وإياكم الله العظيم ؛ يُفسر القرآن الكريم بِرَأيه مَن يَدَّعي التمسك بالقرآن والسنة ، و يُخالِف ما فسر به الآية الكريمة أعلَمُ الصحابة رضي الله عنهم بتفسير القرآن ابن عباس رضي الله عنهما ، و يُكفِّرُ المسلمين المدعي للتمسك بالقرآن والسنة ، بما فَسَّرَ به القرآن مِن رَأيِهِ الخاص ، و يَجعَل المدعي للتمسك بالسنة ؛ هذا هو حُكمُ الله في الشرع ، وهو التمسك بالكتاب والسنة ، و مَن خالَفَه عابِد للطاغوت.
سبحانك هذا بُهتان عظيم و فَهمٌ سَقيم و دَيْدَنٌ ذَمِيم و دَعوَةٌ عَقيم ، و دِينٌ هَجين وإلحادٌ بَيِّين و فِسقٌ مَتين وضلالٌ مُبين.
فهذا كما تعلَمون حرام في الشرع ، بلا دليل من الشرع ؛ قال تعالى :
(( و لا تقولوا لما تصف ألسنتهم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم )) الآية .
فنسأل الله السلامة والعافية وأن يعصمَنا من التَّقوُّلِ في شرعه بالتحليل فيه والتحريم بلا دليل ؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم في تَحريم ذالك في الحديث المتفق عليه بل المُتواتر عنه : ( من كَذَبَ عَلَيَّ مُتعمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأ مَقعَده.مِن النار ) متفق عليه.
وإذا كان المدعي للتمسك بالقرآن والسنة يَقصِد المَعنى الثاني ( للديمقراطية ) ؛ وهو :
اختيار المسلمين أميرا لهم عن طريق الشُّورى أي ما يُسمى اليوم بصناديق الإقتراع ، فهذا أَصلٌ في الشرع لاختيار أمير المسلمين ، و ليس لأحد يَدعي التمسك بالكتاب والسنة أن يُكَفِّرَ المسلمين ، إذا فَعَلوا ما هو جائز في الشرع .
قال تعالى : (( وأمرهم شورى بينهم )) الآية.
وكلام الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم و الأئمة الكبار من العلماء الأثبات طافِح بهذا و ما على المسلمين فِعلُه والتعامُل به مع كل طارئ جديد على مَرِّ وطول التاريخ و عَرضِ الجغرافيا ، فائِحَةٌ به كُتُبُ وأنقال الثقات حتى بشهادة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ونَفَعَ المسلمين بخالِص عِلمه ؛ كما ستقف عليه لاحقا وقريبا إنشاء الله تعالى ، إقتداءا بعَمَلِ الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام في ذالك هو خير دليل .
فها أنا أضرب لكم يا أبناء وبنات شنقيط بَعض من كلام أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه المشهور المنثور حيث قال رضي الله عنه حَاثًّا و راشِدًا و مُوَّجِّهًا و هادِيًّا إلى الشورى ( الديمقراطية وسُبُلَها وآلياتها و الحَصافَة و الحِنكَة والحِكمَة منها ، لتطبيق مَبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب ، وكذا أيضا لأن مَن يُدِيرُ مَنصبا أو يَقود بَلَدًا أو يَحكُم أو يَسوسُ أمة عليه أن يُحسِنَ فَنَّ التَّوَقُّع ؛ و فن التوقع هذا بالنسبة مَثلا للإستيراتيجيات يَقومُ على أسوأ الإحتمالات ) : أََفِيضُوا مَجالِسَكُم و تَجالَسُوا مَعًا ، فإنه أَدوَمُ لِأُلْفَتِكُم و أَهيَبُ لكم في الناس ؛ اللهم مَلونِي و مَلِلْتم و أَحسَستُ مِن نَّفسي وأَحَسَّوا مِنِّي فلا أَدري بِأيِّنَا يَكون ( السابق للموت ) فاقبضني إليك. انتهى مَحَلُّ الإستشهاد.
قُلتُ : و رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لم يُوصِ لأحَدٍ بإمارَة المسلمين ، وإنما تَرَكَ ذالك لهم يَختاره أهل الحَلِّ والعَقدِ مِنهم بالشورى بَينهم.
ففي البخاري ومسلم عن عمر رضي الله عنه أنه قال حِينَ طُعِنَ : إن استخلَفتُ فقد استخلف مَن هو خيرٌ مِنِّي – يَعني أبا بكر رضي الله عنه – وإن أتركَكُم فقد تَرَكَكُم مَن هو خيرٌ مِنِّي – يَعني رسول الله صلى الله عليه وسلم-. متفق عليه.
فأين بعد هذا :
يا مَن يَدَّعي في العِلمِ فَلسَفَة ** عَلِمتَ شيئًا وغابت عنكَ أشياء
النص الذي خالَفَه المسلمون ؛ والذي يُكفِّرُ هم به المُدَّعي للتمسك بِحَبلِ الله كتابا وسنة ؟ أم على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم يَفتري؟.
فَحُكَّامُ المسلمين اليومَ مَغلوب على أمرهم لأن ما تَأكُله شُعوبهم و تَلبَسه و تَركَبه مُستَورَد من الكُفار وكل أنواع الأسلحة التي بأيديهم هي من صُنع الكفار الفجار .
فلا يُمكِنُهم تَطبيق الشرع كامِلاً ؛ لِمَا التزَموه في مَواثيق مع الكفار الأشرار مِمَّا يُسَمَّى اليوم :
الأمم المتحدة و المَواثيق الدولية.
فصارَ حُكامُ المسلمين لا يُمكنهم تطبيق حُدودَ الشرعِ كاملة ، لأن الغَلَبَة اليومَ للكفار .
و جَعَلوا مَعَهم أعني حُكَّامَ المسلمين مع الكفار صُلحًا يُماثِلُ صُلحَ الحُدَيْبِيَّة ، و حال المسلمين في مكة المكرمة ؛ قال تعالى :
(( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها )) أي : طاقتها ، الآية.
وقال العلاَّمَة ابن داود في الرَّدِّ على الوهابية في كتابه المُسمَّى :
الصواعق والرعود تأليف عبد الله ابن داود الزبيري الحنبلي المُتوفي سنة 1225 هجرية .
قال عند الصفحة 116 :
وقال الشيخ تقي الدين ( ابن تيمية رحمه الله تعالى ) أيضا : وأهل السنة والجماعة وسَطًا في دين الله وشرعه و أمره و نَهيه ، لا يُسوغون لأحد نسخه و تغييره كما تفعل النصارى ، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله ، فأحَلُّوا لهم الحرام فأطاعوهم ، و حرموا عليهم الحلال فأطاعوهم. انتهى.
إلى أن يقول ؛ وقال أبو العباس أيضا ، في كتاب ” السنة في الرد على الرافضين ” ، قال : وأهل السنة لا يَبتَدِعون قولا و لا يُكَفِّرون مَن اجتهَدَ فأخطأ ، وإن كان مُخالِفًا لهم ، مُستحِلاًّ لدِمائهم ، كما لم تُكَفِّر الصحابة الخوارِج مع تَكفيرِهِم لعثمان وعلي ومَن والاهما واستحلالهم دماء المسلمين المُخالِفين لهم.
وأيضا فقد أخبر الله في غير مَوضع أنه لا يُكلف نفسا إلا وُسعَها .( انظر مِنهاج السُّنة : 95/5 , 110/5 ) ؛ إلى أن قال : ” وكذالك الكفار مَن تَبلغه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في دار الكُفرِ ، وعَلِمَ أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فآمَنَ به وآمن بما أنزل عليه ، واتقى الله ما استطاع : كما فَعَلَ النجاشي وغيره ، لم يُمكِنهُم الهجرة و لا التِزام جَميع شَرائِع الإسلام ، لكونه مَمنوعا مِن الهجرة ، وليس عنده مَن يُعَلِّمه ، فهو مِن أهل الجنة ، كما كان مُؤمِن آل فرعون ، وكما كان يوسف مع أهل مصر ؛ فإنهم كانوا كفارا ، ولم يُمكِنه أن يَفعَلَ مَعَهم كل ما يَعرِف مِن الإسلام ، فإنه دعاهم فلم يَستَجيبوا له ، كما قال تعالى : (( ولقد جائكم يوسف من قبل بالبيانات )) ، سورة غافر الآية 34.
وكذالك النجاشي هو وإن كان مَلِكَ النصارى ، فلم يُطِعه قومه في الدخول في الإسلام ، إنما دَخَلَ معه نَفَر منهم ، ولهذا لما مات لم يَكن هناك مَن يُصلي عليه ؛ فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، وقال :
” إن أخًا لكم صالِحًا مات ” رواه البخاري رقم 3877 و مسلم رقم 952 , متفق عليه.
وكثير مِن شرأئع الإسلام أو أكثرها لم يكن دَخَلَ فيها ، لعجزه عن ذالك ؛ فلم يُهاجِر ولم يُجاهِد ولا حَجَّ ، بل قد روي أنه لم يُصلي الصلوات الخَمس ، و لا يَصوم رمضان ، و لا يُؤدي الزكاة الشرعية ، لأن ذالك كان يَظهَر عِند قَومه فيُنكرونه ، و إن لم يُمكِنه مُخالَفتهم ، و نحن نَعلَم قطعًا أنه لم يَكن يُمكِنه أن يَحكُمَ بَينَهم بالقرآن ، و الله قد فَرَضَ على نَبِيِّه أنه إذا جاءه أهل الكتاب : أن يَحكُم بَيْنَهم بِحُكم القرآن ، وحَذَّره أن يَفتُنوه، فإن قومه لا يُقِرُّونه على ذالك.
وكثيرا ما يَتَوَلَّى الرجل بين المسلمين والتَّتار قاضِيًّا ، بل وإماما ، و في نَفسه أمور مِن العَدلِ يُريد أن أن يَعمَلَ بها فلا يُمكِنه بل هناك مَن يَمنَعه ، و لا يُكلِّف الله نفسا إلا وسعها ؛ فالنجاشي وأمثاله سُعَداء في الجنة وإن كانوا لم يَلتَزِموا مِن شَرائع الإسلام ما لا يَقدِرونَ على التِزامه ، بل كانوا يَحكمون بالأحكام التي يُمكِنهم الحُكم بها “. انظر منهاج السنة( 114-111/5 ).
إلى أن قال : ” فإن قيل : أنتم في هذا المقام تَسبون الرافضة وتعيبونهم ، قيل المذموم غير الأشخاص المعينة ؛ و القرآن والسنة مَملوء مِن ذم هذه الأنواع و ذم أهلها تحذيرا ، ثم المعاصي التي يَعرِف صاحبها أنه عاص يَتوب مِنها ، و المُبتدعُ الذي يَظُنُّ أنه على حق ، كالخوارج و النَّواصِب الذين نَصَبُوا الحَربَ و العَداوَة لجماعة المسلمين ، فَبَدَّعوا و ابتعدوا بدعة و كَفروا مَن لم يُوافِقهم ، فصار بذالك ضَرَرهم على المسلمين أعظم مِن ضَرَر الظَّلَمَة ، فَأَمَرَ النبي صلى الله عليه وسلم بِقِتالِهِم ؛ و نَهَى عن قِتالِ الأُمَراء الظَّلَمَة ، وتَواتَرَت هذه الأحاديث الصحيحة في الخَوارِج. انظر منهاج السنة ( 150 – 147/5 ).
إلى أن قال : الظَّلَمَة إنما يُقاتَلونَ على الدُّنيا ، و أهل البِدَع ، كالخوارج فهُم يُريدون فساد دِين الناس ، فَقِتالُهم عن الدين. انتهى ، انظر منهاج السنة ( 153/5 ).
انظر قوله رحمه الله تعالى: ( و كذالك الكفار مَن بَلَغه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ) ……إلخ ، كيف أثبت له الإيمان و الجنة ، مع أنه لم يُهاجِر و لم يَلتزم جميع شرائع الإسلام ، بل ظاهر كلامه أنه قد يَكون لا يَعرِف و لا يَفعل منها إلا لَفظَ الشهادتين؟!.
انتهى محل الإستشهاد من كتاب الصواعق والرعود لعبد الله ابن داود الزبيري الحنبلي رحمه الله تعالى بلا زيادة.
قلت :
يا ويحَنا ماذا أصاب رِجالنا ** أو ما لنا سَعدٌ و مِقدادُ
فالحَذر الحذر ؛ من اقتحام الشرع فيما حرم الله و رسوله صلى الله عليه وسلم مِن التحليل في الشرع و التحريم و التكفير للمسلمين ، بلا دليل شرعي .
فَلا و كلا وهيهات وليت شعري يا شناقطة ، يا مسلمون ؛ فاسمعوا وعوا و إذا وعيتم فانتفعوا :
فالإنخراط والإنصياع و الخُنوع والرُّضوخ و الركوع تَحتَ وَ وَراءَ أَلوِيَّة و أَجنِحَة و أَذرُع مَنهم في آخر الزمان قوم مَناحيس ، وَجُندٌ مِن جُنود إبليس ؛ كعادتهم الفاسدة، و مُتاجَراتهم الخامِدة ، الكاسدة ، و عَلثَمَتهم الشاذة ، الشارِدة ، و لُغَتِهم الخَشَبِيَّة الرَّتابِيَّة ، الساذجة ، و بَهرَجَتِهم الإعلامِيَّة النَّجِسة ، العَرجاء ، السَّمِجَة ، و دَندَنَتِهم ، و شَنشَنَتِهم ، و طَنطَنَتِهم الخَبيصَة ، الجوفاء ، النَّاشِزَة ، العَمياء و البَبذيئة النَّكِرَة ؛ كُلٌّ بِسْمِه و وَسْمِه ، أظهرت أفعالهم و أقوالهم إزدِواجِيَّة المَعايير و التَّعَدُّدِيَّة المُسَلَّحَة الديمقراطية و الإحتواء والتَّحجِيم كل ذالك مُضمَّخ و مَخصُوفة بِإبرَة إظهار السِّلمِيَّة و الأمان و سِلك العَنتَرِيَّّة و فَتيل النِّيران ، سَعيًا ولَهَثًا كُلٌّ على حِدَة في الإنقِضاض على عقائد المسلمين المسالِمين مِن جهة و زَعزَعَة أَمْنَ واستقرار :
مُلوك و سَلاطين و أمَراء و حُكام المسلين المُستَضعَفين مِن جهة أخرى ، حِينَ إذن : يا إخوتي يا مسلمون إذا جاء نَهر الله بَطَلَ نَهر مَعقِل و لا اجتهاد في مَورِد نَص و إذا صَّحَّ الخَبَر بَطَلَ القياس و النظر و إذا كنت ناقلا فالصحة و إذا كنت مُدَّعِيًّا فالدليل و فاقد الشرط بالمشروطات لا يات لأن شرط النهايات تصحيح البدايات ، فتكون خلاصة القِصة على رأي نِزار قباني :
خلاصة القصة توجَز في عِبارة لقد لَبِسنا الحضارة و الروح جاهلية.
فَيَصدُق عليهم فُرادا وجماعات و أحزاب وتنظيمات و مُرتَزَقة و فُلول ، مُتَمَصلِحَة و ذُيول ؛ قول الإمام الشافعي رضي الله عنه :
أَرادَ نَفعًا فَضَرَّ و مِنَ ** البِرِّ ما يَكون عُقوقا.
الله يحلم.
السلام عليكم ورحمة الله. وبركاته.
الأستاذ محمد سعيد الأبياري.




