قراءة في تجربة.. لا مفاضلة بين الرجال

حين يكتب الإنسان عن تجربة إنسانية صادقة، فإنه لا يكتب دفاعا ولا تبريرا، بل يكتب لأن الفكرة حين تنضج تفرض نفسها، ولأن الكلمة حين تكون صادقة لا تنتظر إذنا لتولد. ومن هذا المنطلق جاء مقالي الأخير عن تجربة السفير السعودي السابق الدكتور هزاع المطيري، لا بوصفه مقارنة مع غيره، ولا تفضيلا على أحد، بل بوصفه قراءة في نموذج إنساني رأيت فيه ما يستحق التوقف والتأمل والتوثيق، خاصة في لحظة إنسانية دقيقة تستدعي الوفاء قبل أي اعتبار آخر.

لقد راودتني فكرة هذا النوع من الكتابة منذ فترة، فكرة تقوم على قراءة تجارب الشخصيات التي مرت من موريتانيا وتركت أثرا سياسيا أو إنسانيا بعد انتهاء مهامها، لأن الكتابة في لحظة المغادرة تختلف عن الكتابة في لحظة الحضور؛ الأولى أقرب إلى الإنصاف والتجرد، والثانية قد تختلط فيها الاعتبارات وتتشابك فيها القراءات. ومن هنا كان اختياري أن أبدأ بهذه السلسلة من تجربة رجل عرف بحضوره الإنساني قبل الرسمي، وجاء ذلك متزامنا مع ظرفه الصحي الدقيق، ليكون المقال أيضا مساحة وفاء صادقة، تستحضر الأثر وتستدعي الدعاء.

غير أن ما استوقفني، ليس النقد في ذاته، فالنقد جزء أصيل من أي فعل كتابي ناضج، وإنما بعض التأويلات التي ذهبت بالمقال إلى غير مقصده، وكأن الكتابة عن تجربة معينة تعني بالضرورة التقليل من تجارب أخرى، أو وضعها في ميزان مقارنة غير مطروح أصلا. وهذا فهم لا يستقيم مع منطق الكتابة المهنية، ولا مع القراءة المتأنية التي تنظر إلى النص في سياقه الكامل، لا في زوايا مقتطعة منه.

فمن يتابع مساري في الكتابة، يدرك أنني لم أختزل يوما الجهد الدبلوماسي في شخص واحد، ولم أحصر التقدير في تجربة بعينها، بل على العكس تماما، فقد كتبت في وقت هزاع المطيري عن إنجازاته، وواكبت حضوره، كما كتبت بعده عن من جاءوا، ورصدت أعمالهم، ووثقت إنجازاتهم، في عشرات المقالات التي تناولت أداءهم المهني وقدراتهم القيادية، وأكدت فيها أنهم أهل للمسؤولية، وأن كل واحد منهم كان بحق “الرجل المناسب في المكان المناسب”. وهذه ليست مجاملة عابرة، بل خلاصة متابعة مستمرة، وقراءة دقيقة لما تحقق على أرض الواقع.

ولم يكن ذلك الطرح وليد لحظة، بل هو امتداد لدور أؤمن به كصحفي يتابع، ويرصد، ويحلل، ويقدم للقارئ صورة متكاملة مبنية على مصادر واضحة، تبدأ من البيانات الرسمية، وتمر عبر المنصات الإعلامية، ولا تنتهي عند حدود الانطباع الشخصي. لذلك، فإن الإشادة بتجربة هزاع اليوم، لا تنفي أبدا ما كتبته بالأمس عن غيره، ولا تتعارض مع ما سأكتبه غدا عن من سيواصلون المسيرة.

ومن باب الأمانة المهنية، فإن الإشارة إلى تجربة سابقة بوصفها نموذجا إنسانيا مميزا، لا تعني إغفال الحاضر، ولا تجاوز ما ينجز اليوم من عمل دبلوماسي رفيع. فالسفير الحالي الدكتور عبد العزيز عبد الله الرقابي يمثل نموذجا متقدما في الأداء، يجمع بين المهنية العالية، والانضباط المؤسسي، والبعد الإنساني الذي يعكس صورة الدبلوماسي القادر على تحقيق التوازن بين متطلبات المنصب واحتياجات الناس. كما أن السفير السابق الأستاذ محمد البلوي كان مثالا في الأخلاق والمهنية، وإن لم تكتمل تجربته لأسباب صحية، إلا أن أثره بقي حاضرا في ذاكرة من تعاملوا معه.

إن الخلط بين التوثيق والمقارنة، وبين القراءة والاصطفاف، هو ما ينتج مثل هذه التأويلات المتعجلة، التي تقرأ النوايا بدل النصوص، وتبحث عن المعاني خارج سياقها الطبيعي. فالكتابة التي تنطلق من قناعة راسخة لا يمكن أن تتحول إلى أداة تقليل، بل هي محاولة واعية لوضع كل تجربة في إطارها الصحيح، ومنحها حقها الكامل من التقدير، دون زيادة أو نقصان.

أما موقفي من المملكة العربية السعودية، فهو موقف ثابت لا يتغير بتغير السياقات، قائم على محبة صادقة، وتقدير عميق، وإيمان بأن العلاقة بين موريتانيا والسعودية ليست مجرد علاقة دبلوماسية عابرة، بل هي علاقة ممتدة الجذور، متجذرة في الدين والتاريخ والوجدان. ومن هذا المنطلق، فإن كل من يمثل المملكة في موريتانيا هو محل تقدير وتبجيل، لأن اختياره يعكس ثقة دولة تعرف كيف تختار من يمثلها، وتدفع به ليكون صورة مشرفة لها في الخارج.

وخلاصة القول، إنني أكتب وفق ما أراه حقا، وما أعتقد أنه يخدم بلدي، ويعزز علاقاته، ويوثق لتجارب تستحق أن تروى كما هي، دون تحريف أو تأويل. لا أكتب لمجاملة أحد، ولا لمهاجمة أحد، بل لأؤدي دورا أراه واجبا، وأتحمل مسؤوليته كاملة. ومن فهم غير ذلك، فذلك فهمه هو، لا ما قصدته ولا ما عبرت عنه في نص واضح لا يحتمل هذا القدر من الالتباس.

وستظل هذه المساحة مفتوحة لقراءة تجارب أخرى، بنفس المنهج، ونفس الروح، حين يحين وقتها، لأن التوثيق العادل لا يكتمل إلا بعد اكتمال الصورة. أما اليوم، فالكلمة التي بدأت بتجربة إنسان، لا تزال تنتهي عنده، دعاء صادقا أن يكتب الله له الشفاء العاجل، وأن يعود سالما معافى، كما عرفه الناس: أثرا طيبا لا ينسى.

حفظ الله المملكة قيادة وشعبا، ودامت العلاقات الموريتانية السعودية نموذجا في التآخي والتكامل، قصة تكتب كل يوم بالفعل لا بالقول، وتثبت أن ما يجمع البلدين أكبر من أي قراءة عابرة أو تأويل مؤقت.

محمد سالم المختار الشيخ

نواكشوط/موريتانيا

الدكتور هزاع المطيري حفظه الله

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى