من ذاكرة الألم إلى قبضة العدالة.. لحظة تاريخية للسوريين “فيديو”

في خبر لا يقاس بوقته بل بوزنه الأخلاقي والإنساني، جاء إعلان إلقاء القبض على المجرم السفاح أمجد يوسف، المتورط في مجزرة حي التضامن، كتحول عميق في مسار العدالة، لا كسطر عابر في نشرة أخبار. هذه اللحظة لم تكن مجرد نجاح أمني محسوب، بل كانت استجابة متأخرة لنداء الدم، وتصحيحا جزئيا لاختلال طال أمده، حيث ظل القاتل حرا، وظلت الضحية أسيرة الذاكرة. لقد بدا وكأن العدالة، التي غابت طويلا، تعود اليوم بخطى واثقة لتقول كلمتها: لا حصانة لقاتل، ولا ملاذ آمن لمجرم، مهما طال الزمن وتعقدت الطرق.
ومن يستحضر تفاصيل مجزرة السادس عشر من نيسان عام 2013، يدرك أن الأمر لا يتعلق بجريمة عادية يمكن أن تطوى مع الأيام، بل بفعل ممنهج يرقى إلى أقصى درجات الانتهاك الإنساني، حيث اقتيد المدنيون، ببرود صادم، إلى موت معد سلفا، وأُعدموا واحدا تلو الآخر، في مشهد يكاد يعجز الخيال عن تحمله. لم تكن المجزرة مجرد إطلاق نار، بل كانت فعل إذلال كامل، سلبت فيه الضحية إنسانيتها قبل حياتها، ثم أُريد للحقيقة أن تدفن معها في حفرة واحدة. غير أن ما وثق بالصورة، وما كشف في التحقيقات الدولية، أبقى الجريمة حية في ضمير العالم، حتى جاء هذا اليوم الذي بدأت فيه ملامح المحاسبة تتشكل بوضوح.
أما أنا، كموريتاني، فقد كان لتلك المشاهد وقع خاص لا يمحى. منذ أن شاهدت تفاصيل تلك المجزرة، لم يهدأ لي وجدان، ولم تستقر في داخلي طمأنينة كاملة، وكأن جزءا من إنسانيتي ظل معلقا هناك، في تلك الحفرة التي ابتلعت الأبرياء. وإذا كان هذا حالي، وأنا البعيد جغرافيا، فكيف بحال السوريين الذين عاشوا الألم مباشرة، وفقدوا الأهل والأحبة، وواجهوا الصدمة يوما بيوم؟ إن هذا الإدراك وحده كفيل بأن يجعل من لحظة القبض على أحد الجناة لحظة إنسانية عامة، تتجاوز الحدود والانتماءات، وتعيد الاعتبار لفكرة أن الألم الإنساني واحد، وأن العدالة حين تتحقق في مكان، فإن صداها يسمع في كل مكان.
إن توقيف أمجد يوسف اليوم لا يقرأ كإجراء منفصل، بل كإشارة استراتيجية إلى أن مرحلة الإفلات من العقاب بدأت تتراجع، وأن هناك إرادة حقيقية لفتح ملفات الماضي، مهما كانت ثقيلة ومعقدة. وهذه الخطوة، على أهميتها، لا ينبغي أن تكون نهاية الطريق، بل بدايته، إذ لا تكتمل العدالة إلا حين تطال كل من شارك، وخطط، وأمر، وغطى. وفي هذا السياق، تظل الأنظار متجهة نحو أسماء بعينها، على رأسها بشار الأسد، وماهر الأسد، وسهيل الحسن، بوصفهم رموزا لمرحلة ارتبطت في الوعي العام بانتهاكات جسيمة، لا يمكن أن تطوى دون مساءلة قانونية عادلة وشاملة.
وفي خضم هذا المشهد، تتجلى حقيقة راسخة لا تتبدل: أن العدالة قد تتأخر، لكنها لا تضيع، وأن ما يبنى على الظلم لا يمكن أن يستمر إلى الأبد. وقد لخصت النصوص الخالدة هذا المعنى بأبلغ بيان: “وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ”، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته”. إنها ليست مجرد عبارات وعظية، بل قوانين كونية تتجلى وقائعها يوما بعد يوم، وها نحن نشهد إحدى تجلياتها اليوم.
إن هذه اللحظة، بكل ما تحمله من رمزية، تعيد بعض التوازن إلى ميزان اختل طويلا، وتمنح الضحايا وذويهم شيئا من الحق الذي انتزع منهم قسرا. لكنها في الوقت ذاته تفتح باب الأمل على مصراعيه، بأن العدالة السورية الجديدة قادرة، إذا ما استمرت بهذا الزخم، على استكمال مهمتها، وملاحقة كل من تلطخت يداه بدم الأبرياء. وعندها فقط، يمكن أن يتحول هذا الفرح الحذر إلى طمأنينة كاملة، ويصبح القول بأن العدالة قد انتصرت، قولا لا يحتاج إلى تحفظ.
محمد سالم المختار الشيخ
نواكشوط /موريتانيا



