أبو مدين ولد اباته في مدح عثمان بن عفان: حين ينحني الشعر لجلال السيرة “فيديو”

حين ينهض الشعر ليصافح السيرة، وحين تتكئ الكلمة على مقام العظمة، فإنها لا تجد أوسع أفقا ولا أسمى مقاما من سيرة عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ ذلك الاسم الذي لا يذكر إلا وتخشع له القلوب، ولا يستحضر إلا ويتهدل في الوجدان نور من الحياء، وسخاء يفيض كالغيث، وثبات يشبه الجبال. إننا أمام شخصية لا تختصرها الأوصاف، ولا تحيط بها التعريفات، لأنها امتداد حي لزمن كانت فيه القيم تعاش واقعا لا ترفع شعارات. ومن هنا جاء مدح الشعراء له أشبه بمحاولة الإمساك بشعاع نور، كلما اقتربت منه ازددت يقينا بأنك أمام معنى يتجاوز اللغة ذاتها.
لقد أحسن الأديب الشاعر أبو مدين ولد اباته إذ جعل من قصيدته منبرا يليق بمقام ذي النورين، فبنى نصا متماسكا في معناه، متدفقا في صوره، كأنه ينسج من فضائل عثمان ثوبا لغويا تتعانق فيه الفكرة مع الإيقاع. لم يكن نصه مجرد مدح تقليدي، بل قراءة واعية لسيرة رجل جمع بين نقاء السريرة وقوة الأثر، فاستحضر صفاته الكبرى، وربطها بوجدان الأمة، ليقدم نموذجا حيا يحتذى لا مجرد ذكرى تروى. إن هذا البناء الشعري يعكس قدرة لافتة على تحويل التاريخ إلى تجربة شعورية نابضة، تستحضر الماضي لتخاطب الحاضر بثقة ووضوح.
وعثمان رضي الله عنه ليس مجرد خليفة في سجل السياسة، بل هو نموذج قيادي متكامل بلغة العصر، حيث تلتقي الحوكمة بالقيم، وتنسجم إدارة الموارد مع عمق الإيمان. فقد جمع بين حياء لا يضعف القرار، وكرم لا يستنزف القدرة، وحلم لا يفرط في الثوابت. وحين جهز جيش العسرة، لم يكن ينفق مالا فحسب، بل كان يمول مشروع بقاء الرسالة، وحين جمع المصحف، لم يكن يوحد نصا فقط، بل كان يؤسس لبنية معرفية تحمي هوية الأمة عبر الأجيال. إنها رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تدار بروح تعبدية عالية، وتترجم إلى إنجازات خالدة.
وفي قصيدة ولد اباته تتجلى هذه الأبعاد في لغة تتصاعد من التوقير إلى الإبهار، حيث يرسم الشاعر صورة عثمان اللواء، وعثمان الصهر، وعثمان الذي توقره الملائكة إجلالا لمقامه. تتكاثف الأوصاف لتصنع لوحة متكاملة لرجل إذا أعطى أدهش، وإذا صبر أدهى، وإذا عفا ارتقى فوق جراحه حتى غدت أخلاقه نفسها رسالة. وهنا يبلغ النص ذروته، حين يتحول المدح إلى شهادة، والشعر إلى وثيقة وجدانية تخلد القيم في أبهى صورها.
إن أعظم ما في عثمان رضي الله عنه أنه أعاد تعريف السلطة بوصفها أمانة لا امتيازا، ومسؤولية لا مكسبا، فكان في ثرائه زاهدا، وفي حكمه متواضعا، وفي قوته رفيقا، يجمع بين الصلابة في الحق واللين في المعاملة، حتى صار مثالا نادرا للقيادة التي تدار بالقيم قبل الأدوات، وبالضمير قبل القرارات. وهذا ما يجعل استحضار سيرته اليوم ضرورة فكرية وأخلاقية، لا مجرد ترف أدبي، لأن الأمم التي تنسى نماذجها العليا تفقد بوصلة التوازن بين القوة والعدل.
وفي ختام هذا الألق، يبقى النص الشعري شاهدا على أن العظمة الحقيقية لا تحتاج إلى صخب، بل يكفيها أن تروى بصدق لتملأ القلوب هيبة وإجلالا. ويمكن الاستماع إلى نص هذه القصيدة بصوت المنشد والشاعر المعروف عبد الله ولد أغشممت على قناة الحدث ميديا عبر الرابط المرفق، حيث يكتمل جمال النص بنبرات الأداء، ويأخذ المعنى مداه في وجدان المتلقي.



