من الخياطة إلى الصحة والتعليم.. كاثاليكاس تكتب فصلا جديدا في تنمية بئر أم أكرين “فيديو”

في مشهد تتقاطع فيه الدبلوماسية المحلية مع نبض التنمية، وتتعانق فيه الجغرافيا مع الإنسان، اختتم وفد بلدية كاثاليكاس الإسبانية أنشطته الميدانية في مقاطعة بئر أم أكرين، ضمن إطار التوأمة العميقة التي تجمع بين البلديتين، في علاقة لم تعد مجرد اتفاق إداري، بل تحولت إلى مسار تعاون حي يلامس تفاصيل الحياة اليومية ويعيد تشكيل معالم الأمل في واحدة من أكثر المناطق احتياجا للدعم والمرافقة.
وقد جاءت هذه الزيارة محملة بحزمة من الأنشطة التكوينية والتنموية التي استهدفت عشرات النسوة والفتيات، في خطوة تعكس توجها عمليا نحو تمكين المرأة وتعزيز حضورها في محيطها الاجتماعي والاقتصادي. فقد شملت البرامج مجالات حيوية مثل الصحة الإنجابية، بما تمثله من وعي أسري وصحي ضروري، والإسعافات الأولية التي تمنح المتدربات قدرة على التدخل في اللحظات الحرجة، إضافة إلى دورات في الخياطة فتحت أمام المشاركات آفاقا مهنية قد تتحول إلى مصدر دخل واستقلال اقتصادي، في سياق تنموي يراهن على الإنسان بوصفه البداية والنهاية لكل تغيير.
وفي موازاة ذلك، لم يقف أثر هذا التعاون عند حدود التكوين البشري، بل امتد ليشمل البنية التحتية لبلدية بئر أم أكرين، حيث أسهمت هذه الشراكة في دعم قطاع التعليم من خلال ترميم بعض الأقسام الدراسية، في مبادرة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها في عمقها تعيد الاعتبار للمدرسة باعتبارها حجر الأساس في أي مشروع تنموي مستدام، وتؤكد أن الاستثمار في التعليم هو الاستثمار الأكثر عائدا على المدى البعيد.
ويأتي هذا التعاون الموريتاني الإسباني في سياق جهود بارزة يقودها نائب مقاطعة بئر أم أكرين، محمد سالم ولد أنويكظ، الذي ارتبط اسمه في الوعي المحلي بصورة النائب القريب من الناس، الحاضر في تفاصيلهم اليومية، الساعي إلى تحويل التمثيل السياسي من موقع الخطاب إلى مساحة الفعل. فقد عرف ببذله وعطائه، وحرصه على خدمة ساكنة المقاطعة وولاية تيرس الزمور عموما، من خلال استقدام كل ما من شأنه تحسين ظروف العيش، خاصة في مجالي الصحة والتعليم، وبجهود شخصية وبالتنسيق مع مختلف الفاعلين.
وفي المجال الصحي تحديدا، يبرز دوره من خلال استقدام طواقم طبية متخصصة من إسبانيا بشكل دوري، عدة مرات في السنة، ما أتاح لعدد كبير من المواطنين الاستفادة من خدمات طبية نوعية بالقرب من أماكن سكنهم، في تجربة تقارب بين الخبرة الخارجية والحاجة المحلية، وتخفف من أعباء التنقل والانتظار.
ولم يتوقف هذا الحضور عند حدود الصحة والتعليم فقط، بل امتد إلى الجانب الاجتماعي والاقتصادي أيضا، حيث شهدت البلاد مؤخرا ارتفاعا في أسعار الغاز المنزلي، فكان التدخل بالتعاون بين النائب وبلدية بئر أم أكرين وتجار المدينة حاسما في تثبيت السعر عند ثلاثة آلاف أوقية بدل السعر الجديد البالغ خمسة آلاف أوقية، في خطوة لقيت ارتياحا واسعا لدى الساكنة، وعكست روح المسؤولية الاجتماعية في لحظة ضغط معيشية حساسة.
وفي المحصلة، يتجلى هذا النموذج من التعاون بين بلدية بئر أم أكرين وبلدية كاثاليكاس كأحد الأشكال الناضجة للتوأمة التي تتحول فيها الاتفاقيات إلى مشاريع واقعية، وحضور فعلي في حياة الناس، لا يكتفي بالشكل بل يغوص في المضمون. وهو ما يجعل من هذه التجربة مثالا يستحق الإشادة، ليس فقط لما حققته من نتائج، بل لما تؤسسه من ثقافة جديدة قوامها أن التنمية تبدأ من الإنسان وتنتهي إليه، وأن خدمة الساكنة تظل أسمى معايير النجاح وأصدقها.



